الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ٤٤ - ١٠- دار الحديث البهائية
و ناب في الحكم عن ابن الصائغ [١] أول ما قدم حلب، ثم ترك ذلك، و ذكر لي القاضي شرف الدين الأنصاري أنه كان يأخذ العهد على أصحابه أنهم لا يلون القضاء، و لما ترك القضاء اقتنع ببعض المدارس، و أكبّ على الاشتغال و أقبل على التصنيف، فصنف كتابا في المذهب سماه (قوة المحتاج) و آخر سماه (غنية المحتاج) كلاهما في شرح المنهاج، ثم صنف (المتوسط في الفتح بين الروضة و الشرح) يعني شرح الرافعي الكبير في عشرين مجلدة، و هو كتاب جليل جمع فيه فأوعى، و تعقب على المهمات للأسنوي، و اختصر (الحاوي) للماوردي، و درّس بالمدرسة البلدقية بقرب الكلاسة و بالمدرسة الظاهرية و بالمدرسة الأسدية و بدار الحديث البهائية، و له إعادة بعدة مدارس من مدارس الشافعية، و تصدر بالجامع للافتاء و التدريس، و شاعت فتاويه في الآفاق مع التوقي الشديد، خصوصا في الطلاق، و كان الشيخ زين الدين الباريني يجمع عنده فتاوى يستشكلها فيأتي الأذرعي فيسأله عنها، و لم يكن له خبرة بحساب الفرائض، و قد وقعت له في ذلك أغلاط اعتنى بجمعها فقيه ورد عليهم حلب من مصر يقال له النوي، و أوقف عليها الشيخ سراج الدين البلقيني و الشيخ ضياء الدين القربي فأطلق فيها ضياء الدين لسانه إذ لم يكن عارفا بحقيقته، و عظم البلقيني شأنه لما يعرف من حاله لكنه كتب أنه لا يصلح للفتوى في الفرائض انتهى. و عرض له في آخر عمره سقطة و صمم شديد، و كان كثير الاسناد للشعر، و له نظم على طريقة الفقهاء، و كانت وفاته عند الزوال من يوم الأحد الخامس و العشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث و ثمانين و سبعمائة و صلي عليه بالجامع الأموي بحلب المحروسة، و تقدم عليه في الصلاة القاضي جمال الدين بن العديم [٢] الحنفي و دفن من يومه خارج باب المقام تجاه تربة ابن الصاحب و الفريب من تربة سودون، و لم يخلف بعده بتلك الديار مثله. و ولي مشيختها السيد الشريف المؤلف المفيد شمس الدين
[١] شذرات الذهب ٦: ١٢٣.
[٢] شذرات الذهب ٦: ٢٩٥.