الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ٤٧٠ - ١٣٧- المدرسة النورية الكبرى
منازعة فارضوه مهما أمكن و لو أتى على جميع مالي. و كان نور الدين يقف عند دار العدل في الأسبوع أربع مرات، و يحضر عنده العلماء و الفقهاء، و يأمر بازالة الحجّاب و البوابين، و أنفق على عمارة جامع الموصل ستين ألف دينار، و فوّض أمر عمارته إلى الشيخ عمر المنلا الزاهد، و يقال أنفق عليه ثلاثمائة ألف دينار، فتمّ في ثلاث سنين، و بنى جامع حماة على جانب العاصي، و وقع في أسره ملك الفرنج، فأشار الأمراء ببقائه في أسره خوفا من شره، فبذل هو في نفسه مالا، فبعث إليه نور الدين سرا يقول له: أحضر المال فأحضر ثلاثمائة ألف دينار فأطلقه، فعند وصوله إلى مأمنه مات، فطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال: ما تستحقون منه شيئا لأنكم نهيتم عن الفداء، و قد جمع اللّه تعالى لي الحسنتين:
الفداء، و موت اللعين و خلاص المسلمين منه، فبنى بذلك المال المارستان و المدرسة بدمشق و دار الحديث، و ما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هببته، فاذا دخل عليه فقير أو عالم أو رثّ خرقة، قام و مشى إليه و أجلسه إلى جانبه، و يعطيهم الأموال، فان قيل له: يقول هؤلاء لهم حق في بيت المال، فاذا قنعوا منا ببعضه فلهم المنة علينا. و قال العماد الكاتب في البرق الشامي: أكثر نور الدين في السنة التي توفي فيها من الصدقات و الأوقاف، و عمارة المساجد، و أسقط كل ما فيه حرام، فما أبقى سوى الجزية و الخراج، و ما يحصل من الغلات على قويم المنهاج، و أمرني بكتب مناشير لجميع أهل البلاد، فكتبت أكثر من ألف منشور، و حسبنا ما تصدق به في تلك الشهور فكان ثلاثين ألف دينار، و كان له برسم نفقة الخاص في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس، يصرفها في كسوته و ما حوله و أجرة خياطة و جامكية طباخه، و يستفضل منها ما يتصدق به في آخر الشهر، و قيل إن استمر كل ستين قرطاسا بدينار. و ذكر العماد الكاتب جملة من فضائله، و مبلغ ما أطلق من الرسوم و الضرائب في كل سنة خمس مائة ألف و ستة و ثمانون ألفا و أربع مائة و ستون دينارا، و قد ذكر الذهبي تفصيل ذلك بالنسبة إلى كل بلد من بلاده. و نقل ابن واصل و غيره أنه كان من أقوى الناس بدنا و قلبا، و أنه لم ير على ظهر فرس أشدّ منه، كأنما خلق عليه و لا