دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٩٧ - مقدّمة
فكما أنّ مفاد قوله ٧: (كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) [١] يفيد الرخصة في الفعل غير المعلوم ورود النهي فيه، فكذلك ما دلّ على حجّية الشهرة الدالّة مثلا على وجوب شيء، يفيد وجوب ذلك الشيء من حيث إنّه مظنون مطلقا أو بهذه الأمارة.
و لذا اشتهر أنّ علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانيّة، و هي «هذا ما أدّى إليه ظنّي»، و كبرى برهانيّة، و هي: «كلّ ما أدّى إليه ظنّي فهو حكم اللّه في حقّي». فإنّ الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهري، فإذا كان مفاد الأصل ثبوت الإباحة للفعل غير المعلوم الحرمة، و مفاد دليل تلك الأمارة ثبوت الحرمة للفعل المظنون الحرمة، كانا متعارضين لا محالة. فإذا بني على العمل بتلك الأمارة، كان فيه خروج عن عموم الأصل و تخصيص له لا محالة.
هذا، و لكنّ التحقيق أنّ دليل تلك الأمارة و إن لم يكن كالدليل العلمي رافعا لموضوع الأصل، إلّا أنّه نزّل شرعا منزلة الرافع، فهو حاكم على الأصل لا مخصّص له، كما سيتّضح
و الدليل الدال على الحجّية- أيضا- لا يوجب العلم بالحرمة واقعا، بل يوجب العلم بالحجّية المستلزمة للعلم بحرمة شرب التتن ظاهرا.
و بالجملة، إنّ الأمارة لم تكن واردة على الأصل الشرعي، بل هي مخصّصة له، كما أشار إليه بقوله:
(فإذا بني على العمل بتلك الأمارة، كان فيه خروج عن عموم الأصل و تخصيص له ...).
هذا تمام الكلام في المورد الثاني حيث يظهر من كلامه التفصيل المذكور.
و أمّا المورد الثالث، فقد أشار إليه بقوله:
(و لكن التحقيق أنّ دليل تلك الأمارة، و إن لم يكن كالدليل العلمي رافعا لموضوع الأصل، إلّا أنّه نزّل شرعا منزلة الرافع، فهو حاكم على الأصل).
و حاصل هذا الكلام منه (قدّس سرّه) هو- أيضا- التفصيل بين الاصول العقلية و الشرعية، حيث تكون الأدلة الظنّية واردة على الاولى و هي الاصول العقلية، و حاكمة على الثانية و هي
[١] الوسائل ٦: ٢٨٩، أبواب القنوت، ب ١٩، ح ٣.