مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٨١
حياتي أينما التفتّ، أينما توجهت وجدت لهذا أو ذاك منكم، فأين الطيّبون البررة؟ و أين أولئك الذين كان هذا الإنسان الّذي رعاهم يجد في قربه منهم معنى من معاني حياته؟ و امتدادا من امتدادات أمله؟ أين الأوّلون الّذين سبقوا إخوانهم بالهجرة قبل سنين و أين الباقون و اللاّحقون الذين تتابعوا خلال سنين جماعات و وحدانا. إنّ مثل أبيكم كما كتبت إلى أحدكم [١] مثل الشجرة تنمو أغصانها و تورق، و تمتدّ في الفضاء عاليا، و لكن تتمزق من داخلها، جذورها و أعصابها الممتدة في الأرض.
إنّ لحظات سوف تبقى خالدات - و كل لحظاتكم خالدات في نفس أبيكم - إنّ لحظة وقوفك أيّها السعيد [٢] في فوهة السلّم و أنت تودّعني و تبكي، إن تلك اللحظة ما نسيتها و لن أنساها أبدا، لأنها اللحظة الّتي تصور البنوّة البارّة. إن تلك اللحظة التي ودّعتني فيها يا آقاي أخلاقي [٣]، و أنت تعيش لحظة من أحرج لحظاتك، ودّعتني و كنت أحسّ بأنك تنتزع انتزاعا، و أنّك تتمزق تمزّقا، إن تلك اللّحظة لا يمكن أن أنساها.
إن تلك اللحظة التي لم تستطع فيها يا أبا أحمد [٤] أن تودّعني، أو أن ألقي نظرة أخيرة عليك، إن تلك اللحظة تمزّقني أنا تمزّقا و تمزيقا. و لئن كنت أعيش مأساة فراقكم أيّها الأحبّة، فأنا - في الوقت نفسه - أشعر من خلال هذه المأساة بانتصاركم، لأنكم أثبتّم من خلالها كلّ ما يودّ الأب أن يراه في أبنائه من ثبات و نبل و شهامة و إخلاص و وفاء، و هذا أقصى ما يسعد الأب، و ما يشعره بامتداده في أبنائه، فأنتم معي على الرغم من الزّمان، و على الرغم من المكان، و لتكن هذه المعيّة في اللّه، و من أجل اللّه، تعبيرا حيّا عن لقائنا باستمرار، إلى ان يجتمع الشمل، و تعود الأغصان إلى الشجرة الأمّ.
إن مقوّمات الصّمود و الثبات و الاستمرار في الحياة هي الحبّ و الأمل
[١] كان هذا المضمون مكتوبا في رسالة منه (رحمه اللّه) إليّ.
[٢] المقصود هو الشيخ سعيد النعماني و هو أحد مخلصيه الأعزّاء، و هو يعيش اليوم في طهران.
[٣] هو الشيخ عباس الأخلاقي، أحد طلاّبه البررة، و هو اليوم يعيش في قم المقدسة.
[٤] هو السيد عبد الهادي الشاهرودي، أحد طلابه المخلصين و هو يعيش اليوم كأمام جمعة في (علي عليآباد كتول).