مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٣٥
الخلقيّة، و هي نسبة واقعيّة بين السلطنة و الفعل.
بقي هنا شيء، و هو: أنّ المشهور جعلوا الحسن و القبح عبارة عن صحّة المدح و الذم عليه. و لكن التحقيق أنّ هذا يستلزم المحال بعد الالتفات إلى وضوح عدم صحّة المدح و الذم لمن فعل الحسن أو القبيح مع جهله بحسنه أو قبحه. فمثلا من ارتكب القتل و الغارة مع جهله بقبحه، لكونه قد عاش في مجتمع يفتخرون بذلك و يرونه شجاعة و يمارسونه باعتقاد كونه فضيلة و امتيازا للإنسان، فتغطّى عقله العمليّ بعيشه في بيئة من هذا القبيل، فلم ير هذا الفعل قبيحا، فارتكب القتل و الغارة، لم يصحّ ذمّه ذما عقابيّا، و إن صحّ تنقيصه، من سنخ تنقيص الشخص الغبي الذي لا يدرك ما هو من واضحات العقل النظريّ. فلو كان الحسن و القبح يعني صحّة المدح و الذم - بينما نرى أنّ صحّتهما تتوقف على علم الفاعل بهما - لزم كون حسن فعله و قبحه متوقّفا على علمه بذلك، و توقف الشيء على العلم به مستحيل. و الجواب بأخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول أو ما يشابه ذلك لا يأتي هنا، لاختصاصه بباب الجعل و التشريع، و مفروض الكلام هو كون الحسن و القبح أمرين واقعيّين و ثابتين بغض النظر عن جعل أيّ جاعل و اعتبار أيّ معتبر.
و التفكيك بين الجعل و المجعول - بمعنى من المعاني - إنّما يمكن في الاعتباريّات، دون ما هو من الموجودات الخارجيّة، و لا ما هو من موجودات لوح الواقع - حسب مصطلحنا، الذي هو أوسع من لوح الخارج.
و التحقيق: إنّ صحّة المدح و الذم أو عدم صحّتهما ليسا إلاّ عبارة عن حسن المدح و الذم أو قبحهما. و ليس المدح و الذم إلاّ فعلا من أفعال الإنسان، يتّصف - كسائر أفعاله - بالحسن و القبح. فالقتل و الغارة مثلا محكومان بالقبح، و ذمّ صدورهما من الشخص محكوم بالحسن. و الحكم