مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٥٥
و جعلهم به، لا يستلزم حكم الشارع بما هو شارع به، و لكنه يستلزم حكمه به بما هو عاقل، بمعنى انه يتضمن حكمه به، إذ هو أيضا أحد العقلاء، و قد فرض تطابق العقلاء عليه. و حكم الشارع بما هو عاقل ينتج نفس نتيجة حكمه بما هو شارع، من ترتب الثواب و العقاب، فإن المدح و الذم المترتّبين على فعل الحسن و القبيح يختلفان باختلاف فاعل المدح و الذم، فمدح العبد الذليل العاجز و ذمّه شيء، و مدح المولى العزيز القادر و ذمه شيء آخر. و مدح المولى عبارة عن ثوابه و ذمّه عبارة عن عقابه.
أقول: ان المفروض ان العقلاء انما تطابقوا على الحكم لا بمجرد أنهم عقلاء، و الا لرجع ذلك الى حكم العقل لا الى حكم العقلاء و جعلهم، بل انما تطابقوا على الحكم و توافقوا عليه لاشتراكهم في شيء آخر أيضا، و هو الميل النفساني لهم الى جلب المصلحة و دفع المفسدة. فلما رأوا ثبوت مصالح عامة و نوعية في بعض الأمور، و مفاسد كذلك في بعضها، تطابقوا على مدح مرتكب الأول، و ذم مرتكب الثاني، كي يسعد بذلك المجتمع. و سعادة المجتمع ترجع الى سعادة الأفراد، و الشارع ليس شريكا مع العقلاء في مصالحهم و مفاسدهم، و لا ينتفع بما ينتفعون به، و لا يتضرر بما يتضررون به، و هو غنيّ عن العباد، غير محتاج الى طاعتهم، و لا متضرر بمعصيتهم. فدلالة تطابق العقلاء بالتضمن على تطابق الشارع معهم غير صحيحة، لأن نكتة التطابق انما توجب تطابق العباد فيما بينهم، و لا ترتبط بالمولى العزيز [١].
[١] و بتعبير آخر: هل يفترض ان تطابق العقلاء على المدح و الذم نشأ من حرصهم على المصالح الشخصية، و دفعهم للمفاسد الشخصية، و انما جعلوا أحكام العقل العملي بنحو يحفظ المصالح النوعية، و يدفع المفاسد النوعية، لرجوع المصالح و المفاسد النوعية بوجه و آخر الى المصالح و المفاسد الشخصية، و لو بمعنى رجوعها أحيانا الى ذلك، فجعلوا أحكام الحسن و القبح عامة بنكتة الاحتياط و التحرز عما قد يترتب من مفسدة شخصية،