مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٥
الناس ينتظرون الموكب بشوق و لهفة و كان تحشّدهم يزداد إذا كان هو الخطي ب في ذلك اليوم. و أما إذا كان غيره ينفض عن الموكب الكثيرون منهم، فقد كان لإلقائه حلاوة و تأثير غريب في نفوس الجماهير يزيده روعة صغر سنّه.
في تلك السنين القليلة عرفنا باقر الصدر - وليتها كانت تطول - و عرفه الناس الذين يقصدون الكاظميّة من بغداد و ضواحيها لحضور المواكب و المجالس الحسينيّة.
و إنّنا زملاوه في المدرسة عرفناه أكثر في مواقفه هذه، و عرفناه طالبا مثاليّا في سلوكه و في جميع تصرّفاته. و ما أتذكر أنّه كان له حسّد من الطلاّب، بل كان حبّهم له يطغى على كلّ شيء يتودّدون و يتقرّبون منه، و ذلك بسبب سلوكه العقلاني معهم و إضفاء حبّه و حنانه على من هو أصغر منه و احترامه لمن هو أكبر منه، و كنّا نشعر - و إن كبرناه سنوات - لقد كان و اللَّه معجزة و آية من آيات خلق اللَّه، و لا أجدني مبالغا مهما قلت عنه و أطنبت في امتداحه و الثناء عليه و تعداد حسناته و صفاته التي لم نجد نظيرا لها في سموّها لدى غيره من كلّ تلامذة المدارس.
كان ينتحي زاوية من زوايا المدرسة انفرد هو بها و لم يقربها غيره احتراما له، و ذلك في كل استراحة بعد كل محاضرة في الصف، و كان يلتف حوله في تلك الزاوية عدد من أترابه التلاميذ و رفاق صفّه أو من الصفوف الأعلى. كنّا نراقب هذا الاجتماع و نرقبه و هو يتحدّث إلى المحيطين و كلّهم إصغاء له، يتحدّث إليهم بهدوء، و يلفّه هدوء، و يغطّيه سكون، و الكلّ صاغون إلى حديثه، ساهمون مسحورون، و قد أثارت فضولنا هذه الحالة و هذا الاجتماع، فهممنا عدّة مرات لأن ننضمّ إليهم و لكنّ فارق السنّ - كما قلنا - كان يحول بين رغبتنا و بين تحقيقها. و جاء ذلك الذي لم أنسه و لن أنساه، كان يوما جديدا لم يمر بنا مثله حين طغت علينا غريزة حبّ الاطلاع فاندفعنا - و كأنّنا مقادون - إلى حيث يعقد اجتماعه، و انضممنا إلى الثلّة التي كانت تحيط به، و قد كانت خطواتنا هذه مفاجأة له، سكت عندها قليلا عن الحديث، و بعد أن ألقى علينا نظرات فاحصة - كأنّه كان يريد أن يقول لنا هل استمر في الحديث؟ - و بعدها