مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٨٣
فالعمدة هي السيرة الممضاة و لو بالسكوت و عدم الردع، و من المعلوم أنّ المستفاد من إمضاء الشارع لسيرة العقلاء إنّما هو جعله لمثل ما جعلوا.
الثالثة: أنّ العقلاء بما هم عقلاء ليسوا مشرّعين و جاعلين للأحكام التكليفيّة، و ليس من شأنهم البعث و الزجر، و إنّما المعهود منهم هو جعل أحكام وضعيّة كالملكيّة و القضاء و الولاية و نحو ذلك.
و بضمّ هذه المقدّمات بعضها مع بعض يظهر أنّ المتعيّن فيما نحن فيه بحسب مقام الإثبات هو جعل الطريقيّة، و ذلك لأنّ المجعول فيما نحن فيه للعقلاء هو الوضعيّ بحكم المقدّمة الثالثة، و الحكم الوضعي منحصر هنا في جعل الطريقيّة بحكم المقدّمة الأولى، فتحصّل أنّ المجعول للعقلاء هو الطريقيّة فيكون المجعول للشارع أيضا الطريقيّة كما ذكر في المقدّمة الثانية من مماثلة جعله لجعلهم. هذا أحسن ما يمكن أن يقال في توضيح مرام المحقّق النّائيني (قدّس سرّه).
أقول: إنّ المقدّمة الأولى مضى تحقيقها في البحث الأوّل، كما أنّ الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد بالسيرة يكون تحقيقه موكولا إلى بحث حجّيّة خبر الواحد. و هنا نبني نحن على فرض صحّة جميع المقدّمات الثلاث من: أنّ جعل الحجّيّة لا يعقل إلاّ بأحد الوجهين، و أنّ السيرة العقلائيّة دليل على حجّيّة خبر الواحد، و أنّ ما عداها إن تم فهو مسوق لإمضاء طريقة العقلاء، و أنّ العقلاء بما هم عقلاء ليس من شأنهم البعث و الزجر و جعل الحكم التكليفي. و مع ذلك نناقش في ما استدلّ به (رحمه اللّه) على جعل الطريقيّة في الأمارات.
و توضيح ذلك: أنّ الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على حجّيّة خبر الواحد يتصور بأحد وجهين:
الأوّل: التمسك بسيرة العقلاء بما هم عقلاء على العمل بخبر الواحد في مقام استيفاء أغراضهم الشخصيّة، أمّا كيف يتم الاستدلال