مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٤٣
و هنا أيضا من الواضح ان مجرد إدراك هذا الشخص ليس دليلا مباشرا على المطلوب. و كأنه ذكر ذلك لجبر النقص الذي أحسن به - و لو ارتكازا - في الوجه الأول من ثبوت جامع آخر من التعايش في المجتمع و ملاحظة القوانين و ما شابه ذلك، ففرض شخص فاقد لذلك كي يكون توافقه لباقي العقلاء في درك الحسن و القبح دليلا على كون هذا الدرك نابعا من حاق الفطرة و النفس البشرية. و يرد عليه:
أو لا: ان هذا صرف فرض و خيال، و لم نجربه خارجا كي نرى هل يدرك هذا الإنسان الضرورة الخلقيّة أم لا. و هذا الفرض يقابله فرض الشيخ الرئيس - ابن سينا - حيث ذكر بصدد الاستشهاد على عدم ثبوت واقعية العقل العمليّ: أننا لو فرضنا شخصا وجد و عاش منفردا، سوف لا يكون مدركا بعقله و لا بوهمه و لا بحسّه الحسن و القبح.
و الواقع ان كلا الفرضيين لا يفيدنا بحسب الفن شيئا.
و ثانيا: ان لو سلّمنا في الجملة العلم بأن هذا الشخص سيختار الصدق، فإن هذا العلم لو تحقق، فإنما يتحقق لمن يدرك مسبقا واقعية الحسن و القبح. فإدراكه المسبق لذلك يجره الى الاعتقاد بأن الإنسان الذي وجد و عاش منفردا سيختار الصدق. أما من لا يدرك واقعيّة الحسن و القبح فلا مبرّر له لدعوى العلم بأن هذا الشخص سيختار الصدق، كي يجعل هذا دليلا على واقعية الحسن و القبح.
و ثالثا: لو سلّم - رغم فرض عدم إدراكنا المسبق لواقعيّة الحسن و القبح - أن هذا الإنسان سيختار الصدق، تطرق احتمال ان يكون اختياره للصدق لميل و غريزة نفسانية في الطبع البشري يدفعه نحو الصدق متى ما لم تكن له مصلحة في الكذب، أو ان يكون اختياره للصدق لإدراكه بالعقل النظريّ مصلحة الصدق و مفسدة الكذب - على ما قاله الفلاسفة من كون إدراك مصالح الأمور الحسنة و مفاسد الأمور القبيحة