مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٧٢
أمّا على الأوّل و هو دعوى الملازمة العرفيّة فلأنّه بالإمكان أن يقتصر أوّلا في الاستفادة منها لتنزيل طوليّ على مورد ما إذا كان الواقع موضوعا مستقلا للحكم و العلم به موضوعا لحكم آخر، فالدليل ينزّل المظنون منزلة الواقع بالمطابقة و ينزّل العلم بالواقع التنزيلي منزلة العلم بالواقع الحقيقي بالملازمة العرفيّة، و هما تنزيلان مستقلان بلحاظ حكمين متعدّدين، فلا ضير في فرض الطوليّة بينهما. ثم نتعدّى من هذا المورد إلى مورد ما إذا كان كلّ من الواقع و العلم جزء الموضوع بمثل عدم احتمال الفصل [١].
و أمّا على الثاني و هو دعوى دلالة الاقتضاء فهي و إن كانت ابتداء في مورد ما إذا كان كل منهما جزء الموضوع و يتعدّى الى غيره بعدم الفصل، إلاّ أنّنا حتى لو سلّمنا أنّ المناسب و المستظهر عرفا هو تنزيل القطع بالواقع التنزيليّ (لا الظنّ بالواقع الحقيقيّ) منزلة القطع بالواقع الحقيقي، فاستحالة ذلك عقلا تجعلنا ننتقل إلى تنزيل الظنّ بالواقع الحقيقي مثلا منزلة القطع به، إشباعا لدلالة الاقتضاء لا أن نرفع يدنا من أصل دلالة الاقتضاء.
و أمّا أصل تقريب صاحب الكفاية (رحمه اللّه) لاستفادة التنزيلين
[١] و يكمّل هذا التقريب بدعوى أنّنا نتصور التنزيلين فيما تعدّينا إليه بشكل غير طويليّ، بأن يكونا عبارة عن: تنزيل المظنون منزلة الواقع و تنزيل الظنّ بالواقع منزلة القطع به مثلا، لا تنزيل القطع بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، و إلاّ لعاد إشكال الطوليّة. ففائدة الاقتصار أوّلا على مورد ما إذا كان كلّ منهما موضوعا مستقلا لحكم ثم التعدّي بعدم الفصل إلى ما إذا كان كلّ منهما جزء الموضوع، هي أنّه لو ادّعي أنّ طرف الملازمة العرفيّة إنّما هو تنزيل القطع بالواقع التنزيليّ (لا الظنّ بالواقع الحقيقي) منزلة القطع بالواقع لم يضرّنا هذا الادّعاء، لأنّنا إنّما استفدنا من هذه الملازمة أولا في حكمين مستقلين لا ضير في الطوليّة بلحاظهما، ثم تعدّينا إلى غير المورد بعدم الفصل بشكل لم يكن فيه إشكال الطوليّة.