مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢٦
مدركات العقل العمليّ.
الثّاني: أن يكون مرادهم ما يظهر من كلام المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه) اختيارا أو إسنادا إلى الفلاسفة من إنكار ما بإزاء في الواقع للمدركات بالعقل العمليّ، و أنّ مرجع العقل العمليّ إلى تطابق آراء العقلاء، و لا واقع له وراء ذلك. و هو (قدّس سرّه) بالرغم من إصراره على ذلك لم يذكر في كلامه عدا ما إذا تمّ لا يدلّ على أزيد من الأمر الأوّل، أعني عدم ضمان الحقّانيّة. حيث أنّه ذكر (رحمه اللّه) في بحث التجرّيّ دليلا على عدم كون قضايا العقل العمليّ من موادّ البرهان، و هذا المقدار - كما ترى - ينفع في سلب صفة ضمان الحقانيّة عنها فحسب، لأنّ العقل البرهاني هو المضمون حقانيّته دون غيره. و لا يثبت بذلك كذب هذا الإدراك و عدم وجود ما بإزاء له في الواقع حتما.
و على أيّ حال فإن كان هذا الوجه هو المقصود، فسيرجع محصله إلى إنكار العقل العمليّ رأسا، و إرجاعه إلى العقل النظريّ، و جعل هذا العنوان مجرد اصطلاح بحت بلا مائز فنّيّ. توضيح ذلك:
إنّ المدرك بالعقل العمليّ على هذا إمّا هو نفس تطابق العقلاء على صحة المدح و الذم، أو متعلّق هذا التطابق. فإن فرض الأوّل، فهذا التطابق إنّما هو مدرك بالعقل النظريّ، كتطابقهم على حب الأولاد، و بغض الأعداء، و غير ذلك. و إن فرض الثّاني، فإن قيل: إنّ متعلّق هذا التطابق أمر واقعيّ و ثابت بعض النظر عن تطابق العقلاء، فهذا خلاف فرض إنكار ما بإزاء في الواقع للمدركات بالعقل العمليّ و إرجاعه إلى تطابق العقلاء. و إن قيل: إنّ متعلّق هذا التطابق هو فعل العقلاء من جعل قانون المدح و الذم، أو تنفيذه عملا، فهذا حاله حال سائر أفعال العقلاء المدركة بالعقل النظريّ. و أيّ فرق بين فرض كون جاعل القانون هو العقلاء أو الشارع، حتّى يفترض أنّ القائل بالأوّل