مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢٩
فهو أكثر إمكانا و حريّة في التصرّف. و بهذا يتضح جوهر الاختيار في الأفعال الاختياريّة.
الثّاني: إنّه تفترق الأفعال الاختياريّة عن غيرها من ناحية الوجوب، حيث أنّ الثاني واجب بوجوب غير مسبوق بالاختيار، و الأوّل يكون وجوبه في طول الاختيار و الإرادة. و ما هو في طول الاختيار لا يعقل أن ينافي الاختيار، و إلاّ لزم من وجوده عدمه.
و الواقع إنّ شيئا من هذين الوجهين لا يفيدان الاختيار بالمعنى الذي هو موضوع لحكم العقل بالحسن و القبح، و صحة المدح و الذم.
و لعلّهم إنّما اصطلحوا على ما ذكروه باسم الاختيار، و تكلّموا بتلك الكلمات، خجلا من التصريح بالجبر.
توضيح ذلك: إنّ الوجه الأوّل إنّما يبيّن تفاوت الموجودات في المقدار الممكن من طروّ العوارض و الخصوصيّات عليها، و اختلاف درجات قابليّة القابل، و تسمية بعض الدرجات باسم الاختيار. و هذا لا يختلف في الروح و الجوهر عن مثل أن يقال:
إنّ الجسم الفلانيّ لا تكون له قابليّة التلوّن بلون عدا لون السواد مثلا، و الجسم الآخر يقبل التلوّن بعدّة ألوان. فيسمّى الثّاني بالاختيار، و يقال ان هذا الجسم مختار في اتخاذ أي لون من هذه الألوان. أ فليس هذا عدا اصطلاح اعتباطيّ خال عن النكتة الفنّيّة الموجودة في الاختيار المصحّح للمدح و الذّم و الموضوع للحسن و القبح؟.
و أمّا الوجه الثاني: فما ذكر فيه من أنّ ما هو في طول الاختيار لا ينافي الاختيار، و إن كان صحيحا إلاّ أنّ الكلام في الصغرى و هو كون هذا الوجوب في طول الاختيار، فإنّهم يقصدون بذلك أنّ الفعل في طول الإرادة، و سمّوا الإرادة بالاختيار. و هذه التسمية أيضا ليست عدا اصطلاح اعتباطيّ فارغ عن النكتة المطلوبة في تصحيح استحقاق المدح