مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢٥
كما ظهر أيضا ممّا ذكرناه ما في كلام الفلاسفة، حيث ربطوا إدراك الحسن و القبح بباب المصلحة و المفسدة، لكن ليس كلّ مصلحة و مفسدة، بل خصوص ما لا يحتاج منهما في مقام الإدراك إلى تأمل عقليّ، فيدركهما جميع العقلاء، و نتيجة لذلك يتطابقون - لأجل الحفاظ على المصالح و التجنّب عن المفاسد - على مدح فاعل ما فيه المصلحة، و ذمّ فاعل ما فيه المفسدة. و من هنا سمّوا القضايا التحسينيّة و التقبيحيّة بالمشهورات.
أقول: أمّا ربطهم لدرك الحسن و القبح بالمصلحة و المفسدة فغير صحيح سواء أريد المصلحة و المفسدة الشخصيّتان أو النوعيّتان، أي ما يرجع إلى حفظ نظام المجتمع و بقاء النوع، فإنّه يلزم من ذلك على أيّ حال دوران الحكم لديهم بالحسن و القبح مدار نتيجة التزاحم بين المصالح و المفاسد، بينما ليس الأمر كذلك.
و أمّا ما ذكروه نتيجة لذلك من أنّ هذه قضايا مشهورة، فلم يتّضح لنا - ممّا رأيناه من كلماتهم - ما هو مرادهم من ذلك، فإنّه يحتمل في كلامهم أمران:
الأوّل: أن يكون مرادهم من ذلك إنكار ضمان حقانيّة هذه القضايا، لعدم ضامن لحقانيّتها عدا الشهرة التي لا تصلح لذلك.
و لذا ترى الشيخ الرئيس يقول: إنّه لو خلق إنسان في مكان منفردا، و لم يتعلم المحسّنات و القبائح بالمعاشرة، لم يدرك بعقله و لا بوهمه و لا بحسّه حسن العدل و قبح الظلم. و ذكر أيضا هو و شارح إشاراته المحقّق الطوسيّ (رحمه اللّه): إنّ القضايا المشهورة ليست بيّنة الصحة و ان كانت قد تصح.
و هذا المعنى - الذي يظهر من بعض كلماتهم كما عرفت - راجع في الحقيقة إلى ما سيأتي إنشاء اللّه من بحثنا الثالث، و هو البحث عن حقّانيّة