مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٥
و ضحيّت بهم، لأن الإسلام اليوم يحتاجهم (يعني الشيخ عارف و صحبه).
هذه العاطفة ليست عاطفة غريزية من سنخ العواطف المتعارفة، هذه عاطفة كعاطفة أمير المؤمنين (عليه السّلام) فهو يقتل المئات في ساحات الوغى ثم في نفس الوقت يجلس إلى جانب طفل يتيم يمسح رأسه و يبكي الموقف الثّاني الذي لا زال في نفسي: حينما وصلنا خبر إعدام السّيد الشّهيد قاسم شبّر و السّيّد قاسم المبرقع، و حينما سمع السّيد الشّهيد خلال فترة الاحتجاز بإعدام هؤلاء الشهداء الأبرار مع العشرات من خيرة أبناء العراق، قبض السيد الشهيد - ره - على شيبته الكريمة و رفع رأسه إلى السّماء و قال: إلهي بحقّ أجدادي الطّاهرين، ألحقني بهم.
الشّيء الّذي أعجز عن نقله - أيّها الأخوة - حالة السّيد و وضعه حينما قبض لحيته الكريمة و الدّموع تجري من عينيه و هو ينادي ربه بقلب صاف: إلهي بحقّ أجدادي الطّاهرين، ألحقني بهم. و كانت الدّعوة مستجابة، فلم تمض أشهر قليلة إلاّ و قد استشهد (رضوان اللّه عليه).
موقف آخر في يوم من الأيّام - في فترة الاحتجاز - و في حدود الساعة الثانية و النصف ظهرا كنت نائما في مكتبته إذا انتبهت من النّوم على صوت السيّد - ره - و هو يقول: لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون فظننت أنّ حدثا جديدا قد حدث، فقلت له: سيّدنا خيرا إنشاء اللّه؟ فقال:
كنت أنظر إلى هولاء الأمن - الّذين كانوا يطوّقون منزل السيّد الشّهيد و يحتجزونه - فرأيتهم عطاشى و العرق يتصبّب من جباههم، فتألّمت عليهم، و ودت لو كان بوسعنا سقيهم. فقلت: سيّدي هؤلاء المجرمون حجزونا و روّعوا عائلتكم و أطفالكم فقال: ابني صحيح هذا الذي تقول، و لكنّ هؤلاء أيضا يجب أن نرقّ عليهم، لأنّ هؤلاء إنّما انحرفوا إمّا لأنّ ظروفهم لم تكن مساعدة، أو لأنّهم لم يحصلوا على تربية صالحة، و لم يعيشوا في بيئة سليمة، و لو خلّوا و طبعهم أو وجدوا البيئة المناسبة و الصّالحة لكانوا من المؤمنين و المتديّنين.
بهذه الروح الكريمة ينظر السيّد الشّهيد إلى أعدائه فهو سليل جدّه الحسين (عليه السّلام) الّذي جاد بما لديه من ماء على الجيش الذي قتله فيما بعد.