مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤١
أعلى لاستحقها بجدارة. و كنّا عند تغيّبه نستفهم من الإرادة عن السبب، فيكون الجواب الذي اعتدناه: إنّه يحضر دروسا خاصة تشغله عن حضور المدرسة كنّا نختاره و خاصة مدرس الدروس الدينيّة في درس الصلاة إماما يؤمّ زملاءه في الصلاة فكان و اللّه جديرا بها يؤدّيها بخشوع العابد الزاهد المتوجّه إلى ربه العلي الكريم. و كان يختار من بين طلاّب كل المدرسة لإلقاء القصائد و الكلمات في الصحن الكاظمي الشريف منذ كان في الصفّ الثاني الابتدائي، و ذلك في موكب العزاء الذي اعتادت المدرسة أن تنظّمه كلّ عام.
و ليس عجيبا على مثل هذا الطفل أن يستظهر قصيدة تضمّ ثلاثين بيتا أو أكثر، أو كلمة عن ظهر قلب خلال ربع ساعة بعدها يتلوها علينا بكل فصاحة متجنّبا اللّحن حتى إذا قرئت له ملحونة.
كان شعلة ذكاء و قدوة أدب و مثال خلق قويم و نفس مستقيمة. ما فاه و اللّه بحياته في المدرسة بكلمة إلاّ و بعثت في نفس سامعها النشوة و الحبور، و ما التقت عيناه لفرط خجله مرة عيني أحد مدرّسيه، فهو لا يحدّث إلاّ و رأسه منحن و عيناه مسبلتان. أحببته طفلا صغيرا بريئا و أجللت فيه شيخا كبيرا لما ألمّ به من علم و معرفة حتى إنّني قلت له ذات يوم: إنّني أتوقّع أن يأتي يوم ننهل فيه من علمك و معرفتك و نهتدي بأفكارك و آرائك، فكان جوابه بكل أدب و احترام و قد علت وجهه حمرة الخجل: عفوا أستاذ فأنا لا أزال و سأبقى تلميذكم و تلميذ كلّ من أدّبني و علّمني في هذه المدرسة و سأبقى تلميذكم المدين إليكم بتعليمي و تثقيفي.
ثم ختم الرجل حديثه بقوله: أ تريدني بعد كلّ هذا أن لا أحزن عليه حزن الثاكل. و لكنّ الذي يبعث لنا السلوى و يمكّننا من الصبر و يسري عن نفوسنا أنّه ترك لنا أسفارا يحدّثنا فيها. فهو اليوم في كلّ بيت من بيوتنا مقيم بين صفحات كتبه و مؤلّفاته نحدّثه و يحدّثنا عن آرائه و أفكاره العلميّة الخالدة و صوره المطبوعة في قلوبنا. فرحمه اللّه و يا ليتنا كنا أو سنكون بركبه سائرين. و أنهى الحديث بآهة و دمعة انحدرت من عينيه.» الآن حال لنا أن نمضي مع حياة هذا الطالب كي نرى ما ذا جرى بعد