مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٠٧
و من هنا غيّر المحقّق النائيني (رحمه اللّه) نمط الاستدلال و استدل بما حاصله لزوم التهافت بين طبيعة العلم و متعلّقه، و توضيحه: أنّ طبيعة العلم تقتضي الكشف عما فرض ثبوته بغضّ النظر عن العلم، و هذه طبيعة ذاتيّة له ككاشفيّته لا تعلّل بشيء، و هذا يتناقض مع طبيعة متعلّقه حيث فرضناه متوقّفا على العلم و مترتّبا عليه [١].
- بعض الأحيان دليلا مباشرا لعدم توقّف العلم على الوجود الخارجي للمعلوم، و إنّما جعله شاهدا لعدم تقوّم العلم بالوجود الخارجي للمعلوم. و السبب في ذلك ما ذكره (رحمه اللّه) من أنّه لو جعل هذا دليلا مباشرا لعدم توقّف العلم على الوجود الخارجي للمعلوم لأمكن أن يورد عليه بأنّ العلم المتعلّق بشخص الحكم يستحيل تخلّفه عنه، و إذا لم يكن في الواقع حكم فهذا العلم في الحقيقة لم يتعلّق بذاك الشخص من الحكم، و الشيء الذي ليس بموجود يستحيل تعلّق العلم بشخص ذاك الشيء.
(١) لا يوجد في أجود التقريرات إشارة إلى هذا الوجه أصلا، لا في بحث القطع و لا في بحث التعبّديّ و التوصّليّ، كما أنّ فوائد الأصول للشيخ الكاظمي أيضا لم يذكر هذا الوجه في بحث القطع، و لا يحضرني الجزء الأوّل من الفوائد فعلا لكي أرى هل ذكر ذلك في بحث التعبّديّ و التوصّليّ أولا؟. و الظاهر أنّ المحقّق النائيني (رحمه اللّه) اعتمد على نفس برهان الدور على ما يبدو من أجود التقريرات و ذكر أنّ هذا الوجه مصبّه الأصلي هو مرحلة فعليّة المجعول، فهي تتوقّف على العلم توقّف الحكم على موضوعه، و العلم يتوقّف عليها توقّف العلم على المعلوم، فتستحيل فعليّة المجعول، و إذا استحال المجعول استحال الجعل فإنّ نسبة المجعول الى الجعل نسبة الوجود إلى الإيجاد و إذا استحال الوجود استحال الإيجاد. ثم أضاف (رحمه اللّه) وجها آخر صبّه رأسا على مرحلة الجعل، و هو أنّه يلزم من أخذ العلم في متعلّقه ما هو روح الدور في مرحلة الجعل، من تقدّم الشيء على نفسه و ليس الدور، و تعبير الأصحاب بالدور مبني على المسامحة، و ذلك لأنّ الجاعل على وجه القضايا الحقيقيّة يرى بمنظار الجعل الموضوع مفروض الوجود و مفروغا عنه، فإذا كان الموضوع هو العلم بالحكم فهو يرى العلم بالحكم بمنظار الجعل مفروض الوجود و مفروغا عنه مسبقا، و بالتالي يرى الحكم كذلك، فإنّ العلم بالحكم بعد الحكم، إذ انقسام الحكم إلى العلم به و عدمه من الانقسامات اللاحقة، و الجاعل الذي يرى الحكم بمنظار الجعل مفروغا عنه مسبقا كيف يجعله مرة أخرى؟. -