مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٤
اهتمام المعلّمين به دون استثناء، فقد كانت له شخصيّة تفرض وجودها و سلوك يحملك على احترامه و النظر إليه نظرة تختلف عن نظرتك لبقيّة زملائه.
كنا نعرف عنه أنه مفرط في الذكاء و متقدم في دروسه تقدّما يبز فيه زملاءه كثيرا أو ندر نظيره. و ما طرق أسماعنا أن هناك تلميذا في المدارس الأخرى يبلغ بعض ما يبلغه من فطنة و ذكاء، لذا اتخذه معلموه، نموذجا للطالب المجدّ و المؤدّب و المطيع. فما من درس يمرّ بنا إلاّ و كان حديث المعلّم عنه يطغى على ما يلقّننا من مادة، و كان ذلك يزيدنا احتراما له و إعجابا به، حتّى أخذ بعض الطلبة يجهد نفسه في تقليده في مشيته و في حديثه و في جلوسه في الصف لينال ما يناله من احترام و إعجاب، و قد بلغ احترام زملائه له و جميع تلاميذ المدرسة احترامهم لمعلّميهم إن لم يتعدّاه أحيانا. فهم يتهيّبون التحدث إليه إلاّ إذا شعروا برغبة منه في الحديث و إلاّ أن يكون هو البادئ في الحديث.
و قد تجاوز هذا الإعجاب به و الحديث عنه جدران المدرسة إلى الشارع و السوق و المدارس الأخرى و في كل مكان، حتّى إنني فوجئت يوما أنّ أبي يدعوني إلى أن أقتدي به في سلوكي و في حديثي مع الناس. و قد كان هذا شأن كثير من الآباء مع أبنائهم لو أرادوا لهم النصح.
و مما زاد تعرّف الناس عليه هو قيامه بإلقاء الخطب و القصائد التي كان يهيّئوها له معلّموه المتمكّنون من اللّغة العربيّة في المواكب الحسينيّة التي تنظّمها المدرسة كلّ عام في يوم عاشوراء أو في وفيات بعض الأئمة الأطهار، حيث كان يرتقي المنبر المعدّ له في الصحن الكاظمي ليلقي القصيدة أو الكلمة في المناسبة عن ظهر القلب و يبدو و كأنّه يرتجل مسترسلا دون توقف أو تلكّؤ و قد تعجب أيها القارئ أنّ فترة حفظه لها لا تتجاوز مسيرة الموكب من المدرسة إلى الصحن الشريف، و كثيرا ما كنت أسمع أنا و غيري من الطّلاب كلمات الاستحسان و التعجّب و التشجيع من قبل الناس المحتشدين حول موكب مدرستنا (مدرسة منتدى النشر في الكاظميّة)، و قد أعطى - و هو في هذه السنّ - لموكبنا منزلة قد تفوق منازل المواكب الأخرى، فقد كان الناس يرافقون الموكب منذ لحظة انطلاقه من المدرسة إلى الصحن الشريف حيث نجد عددا كبيرا من