مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٣٧
دليلا على بطلان العقل العمليّ. و أمّا ما عدا ذلك من الوجوه المذكورة في كلماتهم، فلا ينبغي الشكّ في أنّها لا تفيد أكثر من عدم ضمان حقّانيّة العقل العمليّ.
و التحقيق أنّ هذا الوجه أيضا لا يفيد إنكار صحّة العقل العمليّ، فإنّ العقل العمليّ لا يحكم إلاّ بقضيّة شرطيّة و هي أنّ الفعل إن كان اختياريّا اتصف بالحسن و القبح. و إنكار الشرط لا يؤدّي بنا إلى إنكار القضيّة الشرطيّة، بل ظاهر سوق الدليل بهذا الشكل هو التسليم بحسن الأفعال و قبحها على تقدير اختياريّتها.
نعم يمكن أن يتخيّل أنّ العقل العمليّ يحكم ابتداء بحسن بعض أفعال النّاس و قبح بعضها، فيجعل ما مضى من البرهان الأشعريّ برهانا على بطلان العقل العمليّ. و لكن لدى التحليل يظهر أنّ حكم العقل بالبداهة بحسن بعض أفعال النّاس و قبح بعضها مرجعه إلى حكم العقل النظريّ بصغرى بديهيّة، و هي الاختيار، و حكم العقل العمليّ بكبرى بديهيّة، و هي اتصاف الفعل الاختياريّ بالحسن و القبح، فتنتقل النفس - التي هي مركز واحد لكلا الإدراكين - إلى النتيجة بكمال الوضوح، إذ كانت المقدمتان مع التطبيق بديهيّة، فصارت النتيجة في قوّة البديهيّ.
البرهان الثّاني: برهان فلسفيّ، و أقصد بذلك برهانا قد نصوغه وفق مباني الفلاسفة، و إن كانوا هم لم يذكروا هذا البرهان، و هو: أنّ الحسن و القبح لو كانا واقعيّين، فإمّا أن يكونا انتزاعيّين، أو من الأعراض المتأصّلة في المحل. و بتعبير آخر إمّا أن يكونا من المعقول الثانويّ بحسب المصطلح الفلاسفة، أو من المعقول الثّانويّ بحسب مصطلح المنطق.
و توضيح هذه الاصطلاحات: أنّ الشيء تارة يتصور بعناوينه الذاتيّة من الجنس و الفصل و النّوع، و هذه معقولات أوّليّة. و أخرى