مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٧
و لنا مسلك آخر متوسّط بين مسلك التّنزيل و مسلك اشتراك الحكم ابتداء و بغضّ النّظر عن دليل التقليد، و هو أن يقال: إنّ الحكم الّذي يفتي به المجتهد و إن لم يكن مشتركا بينه و بين العاميّ بغض النّظر عن دليل التّقليد، و لكن بالنّظر إلى دليل التّقليد يتمّ الاشتراك بلا حاجة إلى فرض مئونة زائدة و هي التّنزيل. و بيان ذلك: أنّ التّقليد في كلّ مسألة سابقة يثبت موضوع الحكم الظّاهري في المسألة اللاحقة فيقلّد فيها، و هذا يشبه ما يقال في بحث الإخبار مع الواسطة - و إن لم يكن مثله تماما - مثاله: أنّ المجتهد إذا علم بأحد حكمين فوجب عليه الاحتياط، فعلمه بذلك و إن لم يكن منزّلا منزلة علم العاميّ، و لكن فتواه بثبوت أحد الحكمين على سبيل الإجمال حجّة في حقّ العاميّ فيتحقّق له العلم بأحد الحكمين اعتبارا، فيجب عليه الاحتياط، فيفتيه المجتهد بوجوب الاحتياط. و أيضا:
رجاء، أو احتياطا بنيّة الجمع بين القصر و الإتمام مثلا، فهل يصحّ ائتمام المأموم في المقام أولا؟ إنّ قلنا باشتراك الحكم بغضّ النّظر عن جواز التّقليد، صحّ الائتمام، لأنّ صلاة الإمام في رأى المأموم صحيحة، و إلاّ لم يصحّ، لعدم إحراز صحّة صلاة الإمام، إذ لم يجز له التّقليد كي يصبح شريكا لمن يقلّده المأموم في الحكم.
و قد تظهر الثّمرة في انحلال العلم الإجمالي الكبير أيضا، فلو قلنا بأنّ الأمارة على بعض الأطراف وفق المعلوم بالإجمال تحل العلم الإجمالي، و لكن الأصل المثبت للتّكليف في بعض الأطراف لا يحلّه، فبناء على اشتراك الحكم بين المجتهد و العاميّ ابتداء و خلق العلم اعتبارا بلا حاجة إلى التّنزيل، تكون الأمارات القائمة للمجتهد على الأحكام الإلزاميّة كافية لحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالنّسبة للعامي، لأنّ فتواه وفق الأمارات أمارة للعامي، و بناء على عدم الاشتراك ابتداء و التّنزّل إلى فكرة تنزيل حالات المجتهد منزلة ثبوتها للعامي، فقد يقال: إنّ هذا التّنزيل قوّته قوّة الأصل، و النّتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، فلا ينتهي الأمر إلى انحلال العلم الإجمالي الكبير بالنّسبة للعامي.
و إن كان الصّحيح أنّ الامتياز الحقيقيّ للأمارة على الأصل يمكن انحفاظه في مثل صيغة التّنزيل و لا تختصّ الأماريّة بفرض خلق العلم و اعتباره على ما سيتّضح - إنشاء اللّه - في محلّه.