مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٩٩
الثّاني: إنّ الأعلم ربّما يحتمل بشأن نفسه أن يصبح بالمستقبل أعلم منه في هذه الحال و يعدل عن بعض فتاواه التي يفتي بها الآن.
الثّالث: أنّه ليس الفرق دائما بين الأعلم و غيره بمراتب كثيرة بحيث لا يتّفق أن يصبح الأعلم مغلوبا لغير الأعلم في النّقاش، بل قد يكون الفارق بينهما قليلا بحيث قد يغلب و قد يغلب، و إن كانت غلبته أكثر من مغلوبيّته بأضعاف المرّات مثلا.
الرّابع: إنّه ربّما يفرض أعلم الموجودين مفضولا بالنّسبة لمجتهد ميّت كالشّيخ الأنصاري - رحمه اللّه - مثلا ممّا يجعله يحتمل أنه لو كان يناقشه لكان يعدله عن رأيه، أ فهل يقال أنّه عندئذ لا يجوز له الاعتماد على رأيه؟ إلاّ أنّ هذا الوجه قابل للنّقاش، فإنّ أعلميّة العلماء الرّاحلين إنما تكون بمعنى كونهم أصفى ذهنا و أقوى فهما و أكثر تأثيرا في دفع عجلة العلم إلى الأمام، بينما المجتهد الحيّ قد يكون بمستوى أنزل في هذه الأمور، و لكنّه في نفس الوقت يكون أعلم الأحياء دائما هو الأعلم، حتى بالنّسبة للأموات، بمعنى الأجود استنباطا، لأنّ إفادات الماضين بقيت لهذا الشّخص و أضاف إليها إفادات نفسه، فهو أعلم ممّن مضى - و ان كانت إفادات من مضى أكثر من إفاداته هو - ففي فرض النّقاش يكون هو الّذي يغلب الشّيخ الأنصاري - رحمه اللّه - إلاّ أنّ هذه الغلبة تعني في الحقيقة غلبة جماعة من المحققين من حيث المجموع على الشّيخ الأنصاري - رحمه اللّه - [١].
الخامس: إن كون الشّخص أعلم من جميع الماضين و المعاصرين لا يعني أنّ اللّه تعالى غير قادر على أن يخلق رجلا أعلم منه، فيكفي في النّقض أن يعلم الأعلم - أو يحتمل - أن اللّه لو خلق رجلا أعلم منه و ناقشه
[١] هذا النّقاش إنّما يتمّ عند وجود فاصل زمنيّ كبير بين الماضي و الحيّ، أمّا مع قصر الفاصل الزمني فقد يتّفق كون الميّت أعلم من أعلم الأحياء بتمام معنى الكلمة.