مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٥٤
و قد تحقّق من جميع ما ذكرناه أنّ الوجه المتين في مقام دفع ما ترد من الشبهة على مباني القوم ما مضى من أنّ دليل حجّيّة الأمارة و الأصل يدلّ على اهتمام المولى بالحكم بحيث لا يرضى بفواته حتّى في ظرف الشّكّ بالتقريب الذي بيّناه و حاصل هذا الوجه: أنّ إنشاء الحكم على قسمين:
الإنشاء الواقعيّ، و الإنشاء الظاهري، و هما من حيث الدّلالة التصوّريّة سيّان، و لكنّهما يختلفان في الدّلالة التصديقيّة. فالدّلالة التصديقيّة للأوّل هي ثبوت الإرادة الجدّية و روح الحكم في عالم الثبوت، و الدّلالة التصديقيّة للثاني ليست هي ثبوت الإرادة الجدّية و روح الحكم في عالم الثبوت، و إنّما هي الاهتمام بالحكم الواقعيّ على تقدير ثبوته، و هذا هو السرّ في تنجيز الحكم الواقعي بالحكم الظاهريّ سواء قلنا في الحكم الظاهري بجعل الحكم المماثل، أو بجعل الطريقيّة، أو بجعل المنجّزيّة، أو بأيّ شيء آخر، فلو فرض كون جعل الحكم الظاهريّ لا بهذا الدّاعي بل بداعي أنّ شخصا ما بذل دينارا للمولى مثلا لقاء جعله لهذا الحكم، لم يكن له أثر في تنجيز الواقع بأيّ لسان كان من ألسنة الحكم الظاهريّ، و إن فرض كونه بداعي الاهتمام بالواقع و عدم الرضا بفوته عند الشكّ كان موجبا لتنجيز
(رحمه اللّه) ليست فيه أي إشارة أو قرينة إلى الاعتقاد ببرهان من هذا القبيل.
و على أيّ حال، فيرد عليه - مضافا إلى ما عرفت من كونه مدّعي بلا برهان، و إلى ما عرفت من أنّ المقصود بالبيان لو كان هو ما يناسب شأن المولى لزم عدم جريان البراءة العقليّة في الشبهات الموضوعيّة، و لو كان هو العلم فهو غير موجود حتّى على ذاك التقدير -:
أنّه هل يقصد ببيان الحكم بيان نفس الحكم حقيقة، أو يقصد به بيان اهتمام المولى بالحكم في ظرف الشكّ على تقدير وجوده، و عدم رضاه بفوته في ظرف الشكّ لو كان موجودا؟ فإن فرض الأوّل فنحن نمنع كون دليل الحكم الظاهريّ بيانا للحكم الواقعيّ بهذا المعنى على تقدير مصادفته للواقع، سواء كان المقصود بالبيان إبراز الحكم بالشكل المناسب لشأن المولى أو المقصود به علمنا بالحكم. و إن فرض الثّاني فهذا رجوع إلى الوجه السّابق و ليس وجها جديدا.