مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٠٧
و على أيّ حال فالصحيح هو كون قبح مخالفة المولى ثابتا بنفس مولوية المولى، و كونه أمرا واقعيا يدركه العقل و ليس حكما مجعولا للعقلاء. و عليه فلا إشكال في أنّ الفعل المتجرّى به قبيح بعنوانه الثانوي و هو التجرّي بالبيان الذي عرفت.
بقي الكلام في ما استدل به المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) على عدم قبح الفعل المتجرّى به حيث ذكر لذلك وجوها ثلاثة برهانيّة و وجها آخر وجدانيا و يمكن صياغته بشكل فنّي فهذه وجوه أربعة:
الوجه الأوّل: أنّ الحسن و القبح من صفات الأفعال الاختيارية و المتجرّي لم يصدر منه فعل اختياري قابل للتوصيف بالقبح. فإنّ العنوان الذي يتصور في المقام كونه منشأ للقبح هو عنوان شرب مقطوع الحرمة مثلا و لكنّه لم يكن مريدا لهذا العنوان فهذا العنوان ليس اختياريا له.
- قياسه معه. و القياس المتدخل في هذه الأمور هو ما يعتقدون به من قانون أنّ الصدفة لا تكون أكثرية. و بما أنّ حسن الشيء أو قبحه ليس من الأمور التي يكفي تصور أطرافها للتصديق بها و لا نمتلك قياسا حاضرا معه، فلا محالة نحتاج الى برهان خارجيّ عليه.
فإن لم يكن في المقام برهان من هذا القبيل فلا محالة نذهب الى القول بأنّ الحسن و القبح من القضايا المشهورة لا اليقينية. فإن كان هذا هو واقع مقصود المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه) لم يرد عليه الإشكال بكون حصر الضرورية في الأمور الستة ليس من الأمور الستة. نعم يرد عليه: منع عدم كون الحسن و القبح في كثير من الأمور من الأوّليّات.
فنحن و إن كنا لا نقبل بقانون حسن العدل و قبح الظلم لرجوعهما الى القضية بشرط المحمول، و لكنّا نرى أنّ حسن كثير من الأمور و قبح كثير منها من الأوّليّات أي أنّه يكفي تصور الأطراف للجزم بالحسن و القبح و إن أنكره بعض الناس لشبهة حصلت له، أو لما ذكره أستاذنا الشّهيد (رحمه اللّه) خارج الدرس من أنّ بالإمكان ثبوتا أن تكون في الإنسان قوّة تسمى بالعقل العملي تدرك بعض الأشياء كقبح الظلم، و لكنها بحاجة الى إعدادات و مقدّمات لا بد من طيّها كي توجد تلك القوة المدركة كما في الحواس الظاهرية المدركة لبعض الأشياء الحاصلة بعد استكمال النطفة للإعدادات و المقدّمات.