مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥١٨
توضيح ذلك: إنّ الفلاسفة ذهبوا إلى أنّ الوجود خير محض، و أنّ العدم شرّ محض. فكلّما كان أوسع وجودا كان أوسع خيريّة، و كلّ ما كان أضأل و أضيق، و جانب العدم أغلب عليه، يكون أكثر شرّيّة.
و اتصاف بعض الوجودات بالشرّ يكون باعتبار ما يلازمها أو يترتّب عليها من الأعدام. كما أنّ اتصاف بعض الأعدام بالخير يكون باعتبار ما يلازمها أو يترتّب عليها من الوجودات. فالإنسان مثلا أكثر خيرا و آثارا من الحيوان، لكونه أوسع و أرقى وجودا منه. و كذلك الحيوان أكثر بركة و آثارا من النبات، و النبات من الجماد. هذا هو تطبيق كلام الفلاسفة على الأعيان الخارجيّة.
و كذا الكلام في تطبيقه على الأفعال: فكلّ فعل يكون جانب الوجود فيه أوسع فهو أكثر خيريّة، و كلّما كان من الأفعال ضئيلا و حقيرا، و كان جانب العدم هو الغالب عليه، كان أشدّ شرّيّة.
و المحقّق الخراساني (رحمه اللّه) بعد ما طبّق كلام الفلاسفة على باب الأفعال ذكر: أنّ كل قوّة من القوى في الإنسان (كقوّة البصر و الذوق و الشمّ و غير ذلك) تنبسط و تنشرح بإدراك ما يلائمها، و تتضجّر و تنكمش من إدراك ما ينافرها. فالباصرة مثلا تنبسط لرؤية الحديقة و الأزهار، و تتضجّر لرؤية ما تستقبحه من صور الأشياء الكريهة. و كذلك الشامّة بالنسبة للروائح و غيرها من القوى.
و كذلك الحال في رئيس تلك القوى و هي القوّة العاقلة، فتنبسط لادراك ما يلائمها و تنكمش من إدراك ما ينافرها. و مقياس الملائمة و المنافرة لها هي درجة التسانخ و عدمه. و بما أنّ القوّة العاقلة موجود بسيط و مجرّد، و من أوسع الوجودات و أرقاها، فكلّ فعل كان أوسع وجودا كان أشبه و أنسب بالقوّة العاقلة، و أكثر سنخيّة لها، فتنبسط القوّة العاقلة بإدراكه لها تصوّرا أو تصديقا. و كلّ فعل كان أضيق وجودا