مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢٣
الثّاني، ورد عليه النقض بفرض عدم الالتفات إلى الأعدام الملازمة، فإنّه يلزم من ذلك ربط إدراك القبح بالالتفات إلى الأعدام الملازمة و عدم إدراكه عند عدم الالتفات إليها، بينما ليس الأمر كذلك. و كذا ربط إدراك حسن ترك الانتقام بالالتفات إلى وجودات ملازمة له و عدم إدراكه عند عدم الالتفات إليها، بينما ليس الأمر كذلك. هذا مضافا إلى أنّ هذا الكلام ينافي مبناه (رحمه اللّه) من عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ [١].
و أمّا لو أريد أنّ إسناد القبح إلى الكذب مثلا إسناد مجازيّ باعتبار الأعدام الملازمة له، فهو بغضّ النظر عمّا عرفت من النقض بفرض عدم الالتفات إلى الأعدام المترتبة عليه، يكون ممّا يكذّبه وجدان المدركين للحسن و القبح من العقلاء. فإنّهم يدركون قبح الكذب حقيقة لا مجازا.
بقي هنا شيء، و هو: أنّ ما ذكره (رحمه اللّه) من انبساط القوّة العاقلة و انقباضها، لا ترى له أيّ منشائيّة لصحّة المدح و الذم. فلا بدّ من التفتيش عن نكتة لصحّة المدح و الذم. فإن فرضنا أنّها عبارة عن قانون العقلاء، و جعلهم لصحّة المدح و الذم، رجع هذا في الحقيقة إلى إنكار إدراك الحسن و القبح الذاتيّين. و إن فرضنا أنّها عبارة عن خصوصيّة ذاتيّة في الفعل، فهي بنفسها تفسير للحسن و القبح بلا حاجة الى ضمّ انبساط القوّة العاقلة و انقباضها، إلاّ أن يكون مقصوده (قدّس سرّه) أنّ ذلك علامة و معرّف للحسن و القبح، و إن كان هذا خلاف ظاهر كلامه [٢].
[١] قد يقول القائل: إنّنا لا ندخل الأعدام و الوجودات الملازمة للشيء في الحساب، و لكن ندخل الأعدام و الوجودات الناتجة عن الشيء في الحساب، فهذا يشبه اقتضاء النهي عن المعلول النهي عن علته، لا اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه.
[٢] كان الأولى أن يصاغ هذا المقطع بصياغة أخرى أشمل، و ذلك بأن يقال: