مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٦
العاميّ و المجتهد بغضّ النظر عن جواز التقليد من وجوه أهمّها اثنان:
الأوّل: أنّه يسقط على هذا الوجه أهمّ أدلّة التقليد و هو سيرة العقلاء، فإنّ سيرة العقلاء إنّما قامت على رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة و لم تقم على تلك المئونة الزّائدة و هي تنزيل حالات المجتهد منزلة ثبوتها للعامي.
و الثّاني: إنّه على هذا الوجه لا يجوز للمجتهد الإفتاء إلاّ إذا أحرز جواز تقليد العاميّ له بأن أحرز عدالة نفسه، و عرف أنه أعلم من غيره، أو تساويه لغيره - بناء على جواز تقليد أحد المتساويين - و ذلك لأنّ حكمه الظّاهري انما يثبت كونه حكما ظاهريّا للعامي بجواز تقليده الدّالّ على ذاك التّنزيل، فلو لم يعلم بذلك لم يعلم بكون ما يفتي به حكما للعامي كي يفتيه به - إلاّ إذا أحرز موافقته في الرأي لمن يجوز له تقليده - و هذا بخلاف ما لو قلنا باشتراك الحكم بين المجتهد و العاميّ ابتداء و بغضّ النّظر عن جواز التقليد [١].
[١] لا يخفى أنّ الثّمرة الثّانية ليست من الثّمرات المهمّة إذ للمجتهد أن يفتي بفتواه بأن يقول: هذا حكم اللّه في حقي و حقّ من يجوز له تقليدي. و ليس عليه تشخيص الصّغرى. نعم قد يشكل الأمر من ناحية كون التصدّي للإفتاء مع عدم جواز تقليده إغراء للنّاس بجواز تقليده و تضليلا لهم. إلاّ أنّ هذا ليس ثمرة لبحثنا فإنّه يرد على كلّ المباني في المقام.
يبقى أنّ هناك ثمرات جالبيّة أخرى، فقد تظهر الثّمرة في بعض فروع النّيابة فلو قلنا:
إنّ الاستنابة ظاهرة في كونها لأجل عمل النّائب بحكم المنوب عنه و كان النّائب مقلّدا لمن لم يكن يجوز تقليده للمنوب عنه في حال حياته فقد يقال: إنّه لو فرضنا الحكم مشتركا بين المجتهد و العاميّ ابتداء جاز للنّائب العمل وفق فتوى من يقلّده لأنّ حكمه كان حكما للمنوب عنه أيضا، أمّا لو افترضنا أنّ الاشتراك في الحكم إنّما هو في طول التّنزيل و جواز التّقليد، لم يجز للنّائب العمل وفق فتوى من يقلّده، بل عليه أن يعمل وفق فتوى من كان يجب تقليده على المنوب عنه، لأنّ تلك الفتوى هي الحكم الثابت بشأن المنوب عنه.
و كذا الحال في بعض فروع صلاة الجماعة: فلو صلّى الإمام القصر في حالة يفتي فيها من يقلّده المأموم بالقصر، و لكنّ الإمام كان مجتهدا لا يفتي بالقصر، و إنّما صلاّها