مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨٩
جميع الأذهان من اتّحاد المجتهد و العاميّ - دائما - في الحكم الّذي يستنبطه، فإذا كانت حالات المجتهد منزلة منزلة ثبوتها للعامي في جميع الآثار و الأحكام، اذن اتّحد العاميّ مع المجتهد في الحكم دائما، بينما يكون علم المجتهد - بناء على مسلكنا الّذي أشرنا إليه - علما اعتباريا للمقلّد، لا تنزيليا، فقد يقع الاختلاف في الحكم بينهما، و ذلك فيما إذا وجد حكم يختصّ بالعلم الوجداني دون الاعتباري، فإنّ هذا الحكم يثبت في حقّ العاميّ على مسلك التّنزيل، لثبوت العلم الوجداني له تنزيلا، و لا يثبت في حقّه على هذا المسلك، مثال ذلك: أنّه لو بنينا على ما ذهب إليه بعض من التّفصيل - في كون العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة و عدمه - بين العلم الوجداني و الاعتباري، بكون الأوّل كذلك دون الثّاني، فالعلّيّة التّامّة للتّنجيز ثابتة للمجتهد لدى علمه الوجداني بأحد حكمين إلزاميّين، و غير ثابتة للعامي، لأنّ علمه اعتباري و ليس وجدانيا، فربّما تجب الموافقة القطعيّة على المجتهد دون العاميّ. فهذا المسلك مخالف من حيث النّتيجة لما هو المركوز في جميع الأذهان من اتّحاد المجتهد و العاميّ - دائما - في الحكم الّذي يستنبطه [١].
إلاّ أنّ هذا الارتكاز لم يعلم كونه مأخوذا من مدرك صحيح كي يكون
[١] لا يخفى أنّ هذه النّتيجة المخالفة للارتكاز يوجد في مقدماتها - أيضا - ما هو خلاف الارتكاز، و هو فرض العلم الاعتباري سببا للتّنجيز و التّعذير، فإنّ العلم الاعتباريّ - بالمعنى، الّذي يختلف جوهريّا عن العلم التّنزيليّ - يكون تأثيره في التّنجيز و التّعذير غير معقول، كما سيبيّن - إنشاء اللّه - في المستقبل، و هو - في نفس الوقت - خلاف المرتكز العقلائي. و لكن بالإمكان تبنّي نفس المسلك الأخير و هو (أنّ التّقليد في كلّ مسألة ينقّح موضوع التّقليد في المسألة الّتي بعدها) مع تبديل فرض تفسير حجّيّة فتوى المجتهد للمقلد بمعنى كونها علما اعتباريّا له، بتفسيرها بمثل تنزيل فتواه للمقلّد منزلة العلم في الأثر، و بهذا تنتفي في المقام النّتيجة المخالفة للارتكاز.