مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٠٧
و قد ورد كثيرا الإخبار بالعقاب على المخالفة فنقطع بثبوت العقاب، بل بهذا الطريق يحصل لنا القطع بنفس الحسن و القبح لدلالة الأخبار أيضا على حسن الطاعة و قبح المعصية، فإذا ثبت الحسن و القبح ثبت العقاب في المخالفة.
و الإيراد على ذلك بأنه (لو سقط العقل عن الاعتبار سقط النقل أيضا لتوقفه عليه) إيراد على المبنى، و نقض وارد عليهم في باب العقل النظري، و قد مضى ذكره. و هنا إنما نتكلم بلحاظ العقل العملي، فنرى أن هذا النقض غير وارد عليهم بناء على مبانيهم.
و أما الأشعري فلأنه و إن أنكر الحسن و القبح بمعنى الجهة المترتب عليها المدح و الذم، لكنه لم ينكر الكمال و النقص و درك العقل لهما حتى في الأمور الخارجة عن الاختيار، و لذا استدلوا على امتناع الجهل على اللّه بأن الجهل نقص، و أن النقص محال على الذات الواجبة الوجود، فاستنتجوا من هاتين المقدمتين امتناع الجهل على اللّه. و لا نريد البحث هنا عن مدى صحة هاتين المقدمتين، و مدى إمكانية التفكيك بين درك الكمال و النقص و درك الحسن و القبح، و إنما نهدف للقول بأنهم على مبانيهم يمكنهم الجواب عن النقض بدعوى أن الكذب نقص بحكم العقل النظري، و النقص محال على اللّه بالعقل النظري أيضا، فيثبت بذلك صدق الإنذارات الواردة من الشارع [١].
هذا مضافا إلى أن الأشعري يمكنه دفع النقض بالنسبة لكل من مسألتي الطاعة و المعرفة بما يتبنّاه من أن كل ما يصدر من الإنسان من
[١] لا يخفى أن الكمال و النقص أحيانا يكونان ثابتين بشكل مستقل عن الحسن و القبح، كما في العلم و الجهل، و القدرة و العجز، و ما شابه، و أخرى يكون نتيجة للحسن و القبح، فالكذب إنما يكون نقصا لأنه قبيح، فلا ينبغي قياس باب الكذب بباب الجهل، و لا مبرر لافتراض امتناع الكذب على اللّه بعد فرض عدم القبح.