مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٧٤
و بمناسبة المقام: لا بأس بالحديث عن القاعدة الموروثة من الميرزا الشيرازي الكبير - قدّس سرّه - و هي أن الحسن و القبح العقليّين إنما يستتبعان الحكم الشرعي إذا كانا في سلسلة علل الأحكام كقبح الغصب و التشريع دون ما إذا كانا في سلسلة معلولاتها.
و لا ينبغي أن يكون مدرك هذه القاعدة لزوم الدور، بدعوى أن الحسن و القبح لو كانا معلولين للحكم ثم نشأ منهما الحكم لزم أن يصبح المعلول علة لعلّته، و هذا هو الدور، إذ من الواضح أن الحكم الذي يفترض معلولا للحسن و القبح حكم جديد غير الحكم الّذي يفترض أن الحسن و القبح وقعا في سلسلة معلولاته فلا دور، فالظاهر أن مدرك هذه القاعدة هو لزوم التسلسل أو لزوم عدم المحرّكية، و قد عرفت الجواب عن كلا الإشكالين.
و قد يقال لإثبات محذور عدم المحرّكية: إننا لا نتصور اختلافا في مراتب الظلم، فلو سلّم ذلك أمكن تصوير عدم المحرّكية للحكم الجديد حينما يكون القبح معلولا للحكم، و ذلك لأن الحكم الأول المفترض كاف في أن تكون مخالفته ظلما، و لا يتأكد ذلك بحكم جديد لأننا لا نتصور اختلافا في مراتب الظلم فلا محركية - اذن - للحكم الجديد، و هذا بخلاف ما لو كان القبح واقعا في سلسلة العلل كقبح الغصب - مثلا - حيث أنّ الظلم هناك ليس ظلما للمولى بل هو ظلم لشخص آخر، فأثر الحكم هو أن تصبح المخالفة ظلما للمولى، و الظّلم الأوّل إذا كفى لاستحقاق العقاب - لما يقال مثلا: من أن ارتكاب القبيح موجب للذّمّ و ذمّ كل شخص بحسبه و ذمّ المولى عقابه - فهذا لا يمنع عن تأثير حكم المولى في المحرّكية، و ذلك لأن الظلم الأول ظلم لغير المولى و الظلم الثاني ظلم للمولى فهما ظلمان لشخصين، فقد يدّعى أنّ ما افترضناه من عدم قبول الظلم للاشتداد إنما هو بشأن شخص واحد، أمّا لو كان العمل الواحد ظلما لشخصين فلا شكّ أن ظلم شخصين أشدّ من ظلم شخص واحد.