مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٦
و هكذا فعل السيّد الشّهيد - ره - إذ سقاهم بواسطة خادمه (الحاجّ عبّاس) ماء باردا، شربوه و هم يحتجزونه.
و كأنّ حالة الصّفاء الموجودة لدى السيّد و المتركّزة في أعماقه أثّرت - في فترة الاحتجاز - لا شعوريا بهؤلاء الذين يحتجزونه من حيث لا يعلمون، إذ أنّ بعضهم أعدموا بسبب مواقف شجاعة و جريئة أقدموا عليها من أجل السيّد الشّهيد.
لقد علمت بخبر إعدام بعضهم، و كنت أعرف أسماءهم، إذ كنت أسمع ما يجري بينهم من خلال النافذة، و بعض الوسائل الأخرى فتعرّفت على جلّهم، و عندئذ أخبرت السيّد - ره - بأنّ فلانا أعدموه و فلانا أعدموه فذكّرني بالقصّة السّابقة، و قال: يجب أن تحمل في قلبك الرّحمة لكلّ مسلم، فهذه هي رسالتنا.
و من المواقف التي لا زالت تؤثّر في نفسي و لن أنساها: هو أنّه بعد مضيّ مدّة من الحجز قامت السّلطة العميلة بقطع الماء و الكهرباء و التّلفون، و منعت دخول و خروج أيّ إنسان الى بيت السّيد حتى خادم السّيد، و كانت هناك كمّية من المواد الغذائيّة موجودة في دار السيّد، و هي كمية قليلة نفدت خلال مدة قصيرة، و لم يبق عندنا إلاّ صندوق من الخبز اليابس التالف، فبدأت عائلة السّيد ترتّب هذا الخبز اليابس كطعام شعبي (يعرفه العراقيّون بالمثرودة) و بقينا مدّة على هذا الحال، و في يوم من الأيّام كنت بخدمة السّيد الشّهيد ظهرا نتغدّى في ساحة البرّاني، لاحظ السّيد الشّهيد في وجهي التّأثر و التّألّم، إذ كان يعزّ عليّ أن أرى هذا الرّجل العظيم على هذه الحال فقال لي: إنني و اللّه إنّ ألذّ طعام ذقته في حياتي هو هذا، قلت: كيف؟ قال: لأنه في سبيل اللّه و من أجل اللّه.
موقف آخر من المواقف العظيمة: حينما بدأ الاحتجاز و بعد شهر رمضان المبارك، اتّصل هاتفيا مدير أمن النجف المجرم (أبو سعد) و طلب الاجتماع بالسيد، و كان قد عاد قبل أيام من لندن و بعض العواصم الأوروبيّة، لمّا دخل إلى منزل السّيد دخل خاسئا ذليلا و هو يحمل مشروعا لفكّ الحجز، فقال في جملة ما قال: سيّدنا إنّ هؤلاء العراقيّين الّذين في لندن و في أوروبّا