مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٥٤
التفصيلية للعقل العمليّ. و عقل ثان يكثر فيه الخطأ يكون حاكما في باب التزاحم و تغليب جانب الحسن أو القبح.
قاعدة الملازمة و أمّا الجهة الثانية: و هي البحث عن قاعدة الملازمة، فنتكلم في ذلك على مبان ثلاثة في العقل العمليّ:
المبنى الأول: افتراض ان الحسن و القبح عبارة عن قانون الشرع، و على هذا لا معنى لافتراض الملازمة بين الحسن و القبح و حكم الشرع، إذ ليساهما إلاّ الحكم الشرعي، لا ملاكا للحكم الشرعي.
و المبنى الثاني: افتراض رجوعهما الى قانون العقلاء، و تطابقهم على حكم مجعول لهم، كما نسبه المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه) الى الفلاسفة و ذكر المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه) [١]: ان حكم العقلاء بما هم عقلاء بشيء،
أو بكتمان السرّ، أو طاعة المولى، بينما نرى ان العقل لا يلزمنا بالعفو عمن ظلمنا، و ان كان يستحسن ذلك. و السرّ في هذا ان الكذب أو إفشاء السرّ أو عصيان المولى قبيح، بينما القصاص ليس قبيحا، و ان كان العفو حسنا. و ليس الفرق بين ما يشتمل على عنص ر الإلزام و ما لا يشتمل عليه فرق درجة. و لذا ترى ان من يترك العفو و يأخذ بحقه عن الظالم لا يذم أصلا، لا أنه يذم ذما خفيفا مثلا. و لذا ترى أيضا انه عند تزاحم الحسن و القبيح دائما يغلب جانب القبح مهما كان قبحه ضئيلا و حسن الحسن بالغا ذروة الحسن - ما لم يكن بمعنى قبح تركه - فمثلا: كشف سرّ للأخ تكون درجة سرّيته ضئيلة جدا يكون قبيحا، و لو ترتب على ذلك نفع كبير للمجتمع، رغم حكم العقل بحسن نفع المجتمع.
فترى ان القبح هنا غلب الحسن مهما فرض القبح ضئيلا و الحسن بليغا.
(١) المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه) تكلم عن الحسن و القبح العقليين في كتابه نهاية الدراية في عدة مواضع بالمناسبة، و لكن عمدة كلامه في ذلك في موضعين، كلاهما في المجلد الثاني من المجلدات الثلاث لكتابه. أحدهما: في بحث التجري ص ٨ و الثاني: في بحث الانسداد ص ١٢٤ فصاعدا.