مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٤٦
لسان أول من عبّر عن هذا القانون «بقبح العقاب بلا بيان» ثم أسّس من زمان المحقّق النائيني (رحمه اللّه) الى زماننا هذا ثلث الأصول على هذا اللفظ - كما يتضح ذلك بمراجعة ما مضى من بحث قيام الأمارات مقام القطع الطريقي، و ما يأتي إنشاء اللّه من بحث الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي -.
و الصحيح في دفع منشأ التشكيك للأخباري أن يقال: إنّ العقل العمليّ ينقسم الى قسمين: عقل أول، و عقل ثان. كما قسموا العقل النظري إلى قسمين: بديهيّ أوليّ، و برهانيّ ثانوي (و نحن أضفنا إليهما الإدراك بحساب الاحتمالات) و العقل الأول يدرك حسن الأشياء و قبحها بقطع النظر عن مسألة التزاحم، و العقل الثاني يميز الأهم من المهم عند التزاحم. و كثرة الاختلاف انما هي في الثاني، حتى ان ما يحكى: من ان بعض المجتمعات تكون الرئاسة فيها مختصة بقاتل الرئيس السابق، و ليس قتل الرئيس قبيحا عندهم، بل من يقتله و يقوم مقامه يرونه مستحقا للمدح، يرجع في الحقيقة الى ما ذكرناه من الاختلاف بينهم و بين المجتمعات التي شاهدناها في تمييز الأهم من المهم لدى التزاحم. فكل إنسان يدرك ان الطموح و طلب العزّ و الرفعة في نفسه حسن [١]، و لذا ترى المجتمعات الأخرى يحسّنون ذلك في غير موارد التزاحم بقبيح كالقتل. كما ان كل إنسان يدرك قبح قتل الإنسان في نفسه، و لذا ترى ذاك المجتمع الذي كان يحسّن قتل الرئيس بهدف الوصول الى العز يقبّح قتله بغير هذا الهدف، أو قتله قبل رئاسته، أو بعد سقوطه
[١] الحسن و القبح العقليان بالمعنى المدرك للعقل العملي لا يتصوران بنحو تكون لهما واقعية حقيقية في فعل بشأن نفس الفاعل، نعم يتصور بشأنه المصلحة و المفسدة و الكمال و النقص. و حينما يؤمر من قبل المولى الحقيقي بعمل بشأن نفسه يصبح هذا العمل باعتباره امتثالا لأمر المولى حسنا. لكن هذا بلحاظه امتثالا لأمر المولى لا بشأن نفس الفاعل.