مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٩
عنايته كانت موجهة إليه لأسباب أخرى. فأحببت أن أتعرّف أكثر على هذا الطفل سيّما و أنني حديث عهد بالعلم في المدرسة المذكورة. و شاءت الصدف أن انفرد بالسيّد المدير فأستوضح منه عمّا كان يشغل تفكيري بشأن هذا الطفل فأجابني: أرجو أن ترعاه كما يرعاه زملاؤك من الهيئة التدريسيّة، فقد سبق و أوصيتهم به خيرا لأنّني أتوسّم فيه أن يكون له مستقبل كبير باعث على التفاخر و الاعتزاز بما يقوم به و بالدرجة العلميّة التي أترقّب أنّه سيصلها و يبلغها، فرحت أرقب هذا الطفل عن كثب، فأقرّبه إلي و أتحدّث معه كلّما سنحت الفرصة مظهرا إليه حبّي و ودّي اللذين نميا مع الأيّام بل الساعات، فصار محبّا لي متعلّقا بي لا يفارقني في الصفّ أثناء الدرس أو بعده أثناء فترة الاستراحة.
و قد كان طفلا يحمل أحلام الرجال و يتحلّى بوقار الشيوخ، وجدت فيه نبوغا عجيبا و ذكاء مفرطا يدفعانك على الاعتزاز به و يرغمانك على احترامه و تقديره، كما شهدت كل المدرسين أيضا يكنّون له هذا الاحترام و هذا التقدير.
لقد كان كل ما يدرس في هذه المدرسة من كافة العلوم دون مستواه العقليّ و الفكريّ، كان شغوفا بالقراءة محبا لتوسيع دائرة معرفته ساعيا بجد إلى تنمية مداركه و مواهبه الفذة. لا تقع عيناه على كتاب إلاّ و قرأه و فقه ما يحتويه في حين يعزّ فهمه على كثير ممّن أنهوا المرحلة الثانويّة. ما طرق سمعه اسم كتاب في أدب أو علم أو اقتصاد أو تاريخ إلاّ و سعى إلى طلبه. كان يقرأ كلّ شيء.
و قد حدّثني أحد الزملاء ممن كان لديهم إلمام بالماركسيّة و اطلاع على كثير من الكتب التي كتبت فيهما قائلا لي: لقد جاءني يوما مبديا رغبته في أن يقرأ بعض الكتب الماركسيّة و نظريّاتها ليطّلع على مكنونات هذه النظرية، تردّدت في بادئ الأمر عن إرشاده إلى ذلك لأنّه طفل، و خشيت أن تتشبع أفكاره بالماركسيّة و نظرياتها. و بعد إلحاح منه شديد و لما كنت لا أحب ردّ طلبه أرشدته إلى بعض المجلاّت و الكتب المبسطة في كتابتها عن الماركسيّة و في عرضها لها. و قد أخذت على عاتقي تهيئة ما تيسّر لي من هذه المجلاّت و الكتب و هي نادرة و عزيزة لأنها كانت آنذاك من الكتب المحرم بيعها في المكتبات.
و بعد أن تسلّمها منّي تهلّل وجهه فرحا ثم أعادها إليّ بعد أن قرأها مكرّرا