مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٨١
و أمّا المقام الثّاني: فمن المستحسن بيانه ضمن البحث عن عنوان «عمليّة الإفتاء للعامي» و أنّ المجتهد كيف يصحّ له إفتاء العاميّ و بيان حكمه له؟ و لا بأس بأن نلحق بذلك - في خاتمة البحث - الكلام حول حكم المجتهد غير الأعلم: هل يجوز له العمل بفتواه، أو يجب عليه الرّجوع إلى الأعلم كما يجب على غير المجتهد الرّجوع إلى المجتهد؟ و بهذا يكتمل بحث فنّي مهمّ قد أهمله الأصحاب، فإنّهم لم ينقّحوا في مورد من الموارد عمليّة الإفتاء للعامي، و لا مسألة رجوع غير الأعلم إلى الأعلم و عدم رجوعه إليه:
١ - تفسير عمليّة الإفتاء:
و ليس المقصود من هذا البحث البرهنة على جواز التقليد، بل المقصود - بعد تسليم جواز التّقليد بأدلّته المذكورة في محلّها - إيضاح الطريقة التي يتمّ بها تعقّل إفتاء المجتهد للعامي و تقليد العاميّ له.
فنقول: إنّ المرتكز في الأذهان هو أن الإفتاء عبارة عن عمليّة بيان ما عرفه من هو من أهل الخبرة لمن ليس من أهل الخبرة، كما هو الحال في جميع موارد رجوع الجاهل الى العالم.
و تصوير ذلك واضح بالنسبة للأحكام الواقعيّة التي عرفها المجتهد بالقطع و اليقين، لأنّ الحكم الواقعيّ ثابت بشأن الجميع سواء في ذلك المجتهد و العاميّ، و إنّما الفرق بينهما أنّ المجتهد ذو خبرة و بصيرة يتمكّن بها من درك الحكم، بخلاف العاميّ، فرجوعه إليه كرجوع النّاس في شتّى الفنون و العلوم من الطبّ و الهندسة و غير هما إلى أهل الخبرة.
و لكن يقع الإشكال فيما إذا لم يكشف المجتهد الحكم الواقعي بمستوى القطع و اليقين، فاضطرّ إلى التنزّل إلى الحكم الظاهري الثّابت بأصل أو أمارة، فسوف تواجه عمليّة الإفتاء في الغالب مشكلة اختصاص الحكم الظّاهري بالمجتهد ليس من جهة أخذ عنوان الاجتهاد في موضوعه بل لأنّه