مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٨٤
و توضيح ذلك: أن الفلاسفة الماديين يرجع لبّ كلامهم إلى دعوى حصر مصدر المعرفة بالتجربة، لا إلى التشكيك في استنباط العقل على الإطلاق، فهم يقولون: أن المصدر الوحيد الذي يكون من حق العقل استقاء المعارف منه هو التجربة، و حتى أبده البديهيات كقولنا: الكل أعظم من الجزء، و الواحد نصف الاثنين، إنما يعرف عن طريق التجربة التي مضت في عصر حياة الإنسانية ككل، أو تجربة الفرد الموجود من الإنسان بنفسه. أما الفلاسفة الشكاكون فهم يشككون في أصل إدراك العقل سواء فرضناه مستمدا من التجربة أولا.
و كلام الأخباريين في المقام يشبه هذا المدعى دون مدعى الماديين، فهم ينكرون أن يكون من حق العقل مثلا درك وجوب مقدمة الواجب و لو عن طريق التجربة، بأن نفترض إيقاع التجارب على أكبر عدد ممكن من أفراد الإنسان فنعرف أن انقداح حبّ الشيء في النفس و إرادته يستلزم انقداح حب مقدمته فيها و إرادتها.
هذا.
و لا يفترق الحال - في مدى صحة أو عدم صحة شبهة الأخباريين - بين القول بأن الأخطاء التي تقع في علوم البشرية ترجع الى زلّة قوة واحدة في عملها و استنتاجها، أو القول بأنها ترجع إلى الخلط بين القوى، بمعنى أن كلّ قوة من القوى لا تخطأ في عملها و لكن بما أن جميع تلك القوى تمركزت في مصب واحد و هو النفس يقع الخطأ من ناحية ما يصدر من النفس من عملية التركيب و جعل المحمول المستنتج من إحدى القوى لموضوع مستنتج من قوة أخرى، فهذا الكلام سواء صح تماما أو في الجملة أو لم يصح أصلا بأن افترضنا أن كل خطأ ينشأ من قوة واحدة لا من الخلط بين القوى، فهذا لا يؤثر في ما نحن بصدده من دعوى أن كثرة الخطاء في الأدلة العقلية تمنع عن الاعتماد عليها.
و على أيّ حال، فالكلام في تحقيق حال هذه الشبهة و مدى صحتها