مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٥٣
هذا سببا في الإنسان السّوي لزوال إدراكه و قطعه بتلك القضية. و إذا زال قطعه بذلك لم يمكن إرجاع القطع، إذ احتمال كون هذا الإدراك معلولا للتأديب و التلقين حاله حال سائر احتمالات معلولية شيء لشيء، مما لا يزول الا بأحد طريقين: إما التجربة، بأبعاد ما يحتمل علّيته، كي يرى هل يبقى ما احتمل معلوليته أو لا؟ و إما بمخالفته لقوانين العلية، كرفض معلولية شيء لشيء أخسّ منه و أسفل في سلّم الوجود، و فيما نحن فيه لا يوجد شيء من الطريقين. أما التجربة: فلأننا لم نجرب أحدا بعزله عن المجتمع و التأديبات، كي نرى هل يدرك قضايا العقل العمليّ أو لا. و اما قوانين العلّية: فلأن معلولية ذلك للتلقين و التأديب ليست على خلاف قوانين العلّيّة.
اما إذا لم يزل إدراكه و قطعه بذلك مع كونه إنسانا سويا، فعدم زواله مع استعراض هذين الاحتمالين على النفس اما يكون ناشئا من عدم معلوليته للتأديب أو التلقين، أو من اعتقاده بعدم معلوليته لذلك.
و من يعتقد بذلك يكفيه اعتقاده، و لا يحتاج الى دليل.
و الواقع ان العقل العمليّ على قسمين: عقل أوّل مضمون الحقانية، يدرك أصل الحسن و القبح. فنحكم به بحسن الصدق، و قبح الكذب، و حسن العفو و قبح الإيذاء بلا تقصير [١]، الى غير ذلك من القضايا
[١] لا بأس هنا بالإشارة إلى ان الحسن و القبح المدركين بالعقل العمليّ أمران متباينان هويّة، و ليس حسن الفعل أو الترك يعني قبح نقيضه، و قبح الفعل أو الترك يعني حسن نقيضه.
و ان صح التعبير عرفا عن نقيض الحسن بالقبيح، أو عن نقيض القبيح بالحسن. و بتعبير أدق نقول: نحن لا نبحث عن المعنى اللغوي لكلمة الحسن و القبح، كي يعود البحث لفظيا، و انما نقصد في المقام ان لدينا هويتين متباينتين، إحداهما: ما يمدح الإنسان على فعله أو تركه من دون ان يكون نقيضه محظورا عقلا. و الثاني: ما هو المحظور عقلا فعلا أو تركا. و ليسم الأول بالحسن، و الثاني بالقبيح. و هذا هو الذي يفسّر لنا عنصر الإلزام تارة و عدم الإلزام أخرى في منطق العقل العملي. فمثلا نرى ان العقل يلزمنا بترك الكذب،