مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٢
نبحث هنا - بالنسبة للعلم المنجّز للخطاب - عن انه هل يجوز للعبد تفويت العلم بالأحكام الإلزامية للمولى، بجعل نفسه قطاعا بالخلاف، أو عدم علاجه لهذا المرض مع الإمكان، كي يستريح من تنجّز ذلك الحكم عليه، أو لا؟ و هذا لم يحرر حتى الآن في علم الأصول.
و تحقيق الكلام في ذلك ان هذا مربوط بمدى سعة دائرة مولوية المولى و ضيقه، الذي لا يمكن إدراكه الا بالوجدان و العقل العملي، فإن قلنا: ان حق المولى انما هو إطاعة الاحكام الواصلة مثلا، و ليس من حقوقه عدم إخراج العبد نفسه عن دائرة التنجيز بالشكل الذي يؤدي الى تفويت أغراضه اللزومية، إذن فلا يجب عليه التحرز عن قطوع من هذا القبيل. و ان قلنا: ان دائرة حق المولى قد اتسعت لتحرّز من هذا القبيل - كما هو الصحيح - اذن وجب عليه ذلك، و لو خالف استحق العقاب لا على مخالفة الواقع، إذا الواقع المقطوع بخلافه خارج عن دائرة حق الامتثال، بل على تعريض نفسه لمثل هذه القطوع، أو تركه للعلاج، إذ أصبح هذا بنفسه مخالفة لحق المولى [١].
[١] الظاهر ان مخالفة ذلك لحق المولى هي سنخ التجري، و قد خالف حق المولوية في أصل مخالفته للحكم الواقعي، و هذا سنخ المعصية و لا يقال: ان هذا الحكم لم يكن منجزا عليه، لأنه كان قاطعا بالخلاف، فإنه يقال: ان هذا الحكم قد تنجز بعلمه الإجمالي بأن كثيرا من قطوعه خلاف الواقع، و تنجّز ذلك لا ينافي تنجّز العمل بالقطع عليه، فإن التنجّز الثاني الذي هو سنخ تنجّز حرمة التجري ليس تنجّزا لخصوص العمل بالقطع، بل هو تنجّز لجامع ترك مخالفة القطع الذي يمكن ان يتجسّد بفراره عن ذاك القطع. فالأمر ان المتنجزان عليه كان الجمع بينهما ممكنا بشأنه، و انما فوّت على نفسه القدرة على الجمع بسوء الاختيار، و الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
هذا و قد مضى منه (رحمه اللّه) في فرض الردع عن خوض الأدلة العقليّة، انه لو خاض و تورط في مخالفة الواقع عوقب على مخالفة الواقع، و لا أعرف لما ذا اختلف الموقف في ذاك البحث منه في هذا البحث؟.