مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥١٤
و القبح عقليّ أو شرعيّ؟ فكأنّهم يرون أنّ الحسن و القبح لا يختلف ذاتهما على فرض كونهما عقليّين عنهما على فرض كونهما شرعيّين.
و يشعر بذلك أيضا ردّ العدليّة للأشعريّ بإدراك البراهمة و نحوهم - ممّن يقال عنهم بأنّهم غير متدينين بأيّ شريعة - للحسن و القبح. فإنّ هذا أيضا مشعر باتحاد سنخ المدرك، و أنّ الاختلاف إنّما هو في إضافته إلى الشرع و عدمه. فيثبت بإدراك من لا يدين بشريعة للحسن و القبح عدم انتسابهما الى الشرع. و حلّ المغالطة يكون بما مضى من بيان الاختلاف سنخا و ذاتا بين الحسن و القبح العقليّين و الشرعيّين، فإنّ هذه المغالطة إنّما نشأت من الخلط بين ما مضى مما أسميناه بالحمل الأوّلي و الحمل الشائع.
الرّابع: أن تقول العدليّة: إنّا ندرك الحسن و القبح الذاتيّين بغضّ النظر عن الحسن و القبح الشرعيّين، و يقول الأشعريّ: إنّي أدرك نفس ما تدرك من الحسن و القبح الذاتيّين، لكن لا مطلقا بل في طول الحسن و القبح الشرعيّين. فكلّما أوجبه الشارع كان فعله حسنا بعنوانه إطاعة للّه، و كلّما حرّمه كان قبيحا بعنوان معصية للّه.
و هذا التفسير للنّزاع خارج عن مورد بحثنا. إذ المفروض فيه تسليم كليهما بإدراك العقل للحسن و القبح الذاتيّين، و إنّما الاختلاف يكون في سعة دائرة الحسن و القبح الذاتيّين و ضيقهما، و أنّ الحسن و القبح هل يختصان بطاعة المولى و معصيته أولا؟ و هذا بحث آخر [١].
[١] و الواقع ان هذا نزاع في إدراك الحسن و القبح الذاتيّين في غير مصداق الطاعة و المعصية، و هذا النّزاع حتما يرجع الى أحد الوجوه الثلاثة الماضية لتصوير النّزاع، و لكن في دائرة غير الطاعة و المعصية. فإمّا أن يكون مرجعه إلى التكاذب، و ليس هذا بحثا علميّا، أو إلى دعوى أحدهما إدراكه هو و دعوى الآخر عدم إدراكه هو، و هذا راجع إلى البحث الثالث، أو إلى الخلط بين الحمل الأوّلي و الحمل الشائع، و حلّه هو توضيح الفرق بينهما.