مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٨
النجف الأشرف عدم وجود عطلة صيفيّة لطلاب الحوزة العلميّة فكان الطلبة يدرسون حتّى في قلب الحر الشديد.
و لا أنس أنّ المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي (رحمه اللَّه) تشرّف ذات يوم بخدمته في بيته الواقع في محلّة العمارة فيما بعد الزقاق المسمى ب (عقد الإسلام) و قال له: إنّ الحر شديد و طلابك يعانون من الحر في ساعة الدرس في مقبرة آل ياسين. فأذن لنا بشراء مبرّدة نضعها في المقبرة لتبريد الجوّ، و لي صديق من التركمان في شمال العراق من بيّاعي المبرّدات، و هو مستعد لتزويدكم بمبردة بسعر الكلفة، و هو سعر يسير و يقسّط السعر عليكم أشهرا عديدة لا يأخذ منكم في كل شهر عدا دينارين. فسكت أستاذنا الشهيد (رحمه اللَّه) خجلا و حياء من أن يقول إنّ وضعي الاقتصادي لا يسمح بهذا. و لكن المرحوم السيّد عبد الغني اعتقد أنّ السكوت من الرضا فاستورد مبرّدة و وضعها في المقبرة ثمّ أخبر أستاذنا الشهيد بما فعل، فرأيت وجه أستاذنا قد تغيّر حيرة في كيفية دفع هذا المبلغ اليسير. إلاّ أنّ المرحوم السيد عبد الغني (رحمه اللَّه) لم ينتبه إلى ذلك. و على أيّ حال فقد التزم أستاذنا الشهيد بدفع المبلغ. و لا أعرف كيف كان يؤمّن ما عليه إلاّ أنني كنت أعلم أنّه كان يدفع كلّ شهر دينارين إلى السيّد عبد الغني كي يدفعه إلى صاحبه أداء للدين.
٩ - تربيته لأطفاله كان يقول - رحمه اللَّه - إنّ تربية الطفل بحاجة الى شيء من الحزم و الخشونة من ناحية، و إلى اللين و النعومة و إبراز العواطف من ناحية أخرى. و قد تعارف عندنا في العوائل أنّ الأب يقوم بالدور الأوّل الأم تقوم بالدور الثاني قال - رحمه اللَّه -: و لكنّني اتفقت مع (أم مرام) على عكس ذلك فطلبت منها أن تقوم بدور الجزم و الخشونة مع الأطفال لدى الحاجة كي أتمحض أنا معهم في أسلوب العواطف و اللّين و إبراز الحبّ و الحنان. و كان السبب في ذلك أنه كان يرى نفسه أقدر على تربية أطفاله على العادات و المفاهيم الإسلاميّة، فكان يريد للأطفال أن لا يروا فيه عدا ظاهرة الحبّ و الحنان كي يقوى تأثير ما يزقّه في نفوسهم من القيم و الأفكار، فلا بدّ أن تملأ حاجتهم إلى الصلابة و الخشونة