مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٨٠
كان يتشرف بعضهم بخدمة الأستاذ في بيته الواقع في سوق العمارة قريبا من مدرسة السيد البروجردي الصغرى، في البرهة التي كانوا يحسّون فيها بأن النهار مظلم أمامهم كاللّيل أو أشد ظلاما، على أثر طغيان البعث الكافر و عتوّه، و رغم هذا حينما كانوا يجلسون بحضور الأستاذ في بيته، و يصغون إلى درر الكلام التي ينثرها عليهم، كانوا ينسون كل شيء، غارقين في الالتذاذ بصحبته بما يفوق الوصف، و كأنهم في دار الخلد.
أمّا الأستاذ فكان يغمر أولئك الصفوة بجنانه و رأفته و عواطفه النّبيلة و حسّه المرهف العظيم، لم يعرف نظيره من الآباء و الأمّهات تجاه أولادهم.
و أكتفي هنا بتسجيل مثال واحد يجسّد لك مدى عواطفه الشفافة الرقيقة تجاه تلاميذه البررة، ألا و هي الرسالة الصوتية التي أرسلها إلى من هاجر من طلاّبه إلى إيران - وقتئذ - فرارا من البعث الكافر، و إليكم نصّ الرّسالة:
بسم اللّه الرحمن الرحيم «السلام عليكم أيها الأحبّة من أبيكم البعيد عنكم بجسمه، القريب منكم بقلبه، الّذي يعيشكم في أعماق نفسه و في كلّ ذكرياته، لأنكم تعبير حيّ حاضر عن تاريخه و ماضيه، و امتداد نابض بواقعه و حاضره، و أمل كبير لمستقبل هذه الأمّة.
يا صفوة الأحبّة نبلا و وفاء و إخلاصا و حبا، يا من افتقدتهم أو افتقدت قربهم - على الأصح - و أنا أحوج ما أكون إليهم، و أشد ما أكون طلبا لعونهم، يا من بنيتهم ذرّة فذرّة، و واكبت نموّهم الطّاهر قطرة فقطرة، و عشت معهم السّرّاء و الضّرّاء و اليسر و البلاء، و لم ينفصلوا عني في أي لحظة من لحظات اللّيل العبوس، أو النهار المشرق، يا من أجدهم رغم ابتعادهم، و أجدهم في كل ما حولي رغم خلوّ الديار منهم، و كيف لا أجدكم يا أولادي معي و كل شيء في نفسي أو خارج نفسي يذكّر بكم، و يشير إليكم، و ينبّه إلى أيامكم، و هل هناك أقوى دلالة و أعمق إشارة في هذا المجال من الفراغ الّذي خلّفتموه في هذه الرّحاب، في هذه الديار، هذا الفراغ الّذي يصرخ بأسمائكم باستمرار، لأنه فراغ رهيب عاطفيّا و منطقيّا، إنّ بصمات أصابعكم على كل