مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٩٤
الأمر مؤخّر رتبة عن الأمر، فهذا الكلام لا يأتي فيما نحن فيه. إذ لو سلّم أنّ التحرك في الامتثال التفصيلي الوجداني يكون عن عين الأمر - و غضّ النظر عمّا مضى من أنّ التحرّك فيه تحرّك عن العلم بالأمر الذي هو في طول الأمر أيضا كالاحتمال، فمن الواضح فيما نحن فيه أنّ التحرّك يكون عن احتمال الأمر. فلو علم إجمالا مثلا بوجوب الظهر أو الجمعة، و قامت أمارة تعبّديّة على وجوب الظهر، فصلّى الظهر كان تحرّكه ناشئا عن احتمال انطباق المعلوم بالإجمال واقعا على الظهر.
و لو فرض أنّ دليل حجّيّة الأمارة يجعل العلم و الطريقيّة اعتبارا فإنّ العلم الاعتباري لو كان له أثر فأثره إنّما هو جعل هذا الاحتمال منجزا، لا كونه بالمباشرة موجبا لتحريك كالعلم الحقيقي، و لذا لو جعل شيء علما اعتبارا أو تشريعا و كان العبد يقطع بمخالفة ذلك للواقع لم يتحرّك نحو أثر المعلوم قطعا.
و هذا الكلام الذي ذكرناه إنّما هو مشي على مباني المحقّق النّائيني (رحمه اللّه). أمّا نحن فنقول - على ما سيظهر مفصّلا إنشاء اللّه -: أنّ هذا الاحتمال كان منجّزا بواسطة العلم الإجمالي. و أثر الأمارة إنّما هو سلب المنجزيّة عن احتمال الطرف الآخر. و لا نجعل هذا إشكالا مستقلا على المحقّق النائيني (رحمه اللّه) لعدم تماميّته على مبانيه [١].
و على المبنى الثاني و هو وجوب الامتثال التفصيلي خطابيّا أو غرضيّا
[١] الظاهر أنّ الإشكال الأوّل أيضا إشكال مبنائي. فإنّ المحقّق النائيني (رحمه اللّه) يرى أنّ العلم الاعتباري كالعلم الوجداني رافع لموضوع قبح العقاب بلا بيان، و أنّ المقصود بالبيان هو الوصول و العلم. و للوصول و العلم فردان، فرد وجداني، و فرد اعتباري.
فصحيح ما أورده أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) من أنّ الأمارة إنّما تجعل الاحتمال منجّزا و لذا لو جعل المولى شيئا علما اعتبارا مع القطع بمخالفته للواقع لم يكن محرّكا. إلاّ أنّ هذا أيضا إشكال مبنائي و ليس بنائيا.