مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٩
عصر ذروة الكمال، ترى فيه من الأبحاث القيّمة و الجواهر الثّمينة و الدّرر المضيئة ما يبهر العقول، و هي تشتمل على مباحث فريدة في نوعها، و فيها ما تكون - تارة - جديدة على الفكر الأصولي تماما، أي: أنها لم تبحث من قبل، و أخرى تكون مغيّرة لما اختاره الأصحاب في أبحاثهم السابقة ببرهان قاطع و أسلوب فائق، و ثالثة تكون معدّلة لنفس ما اختاره الأصحاب و مصلحة له ببيان لم يسبق له نظير.
فمن القسم الأوّل: ما جاء به من البحث الرائع لسيرة العقلاء و سيرة المتشرعة فقد تكرّر لدى أصحابنا المتأخرين رضوان اللّه عليهم التمسك بالسيرة لإثبات حكم ما و لكن لم يسبق أحد أستاذنا - رحمه اللّه - فيما أعلم في بحثه للسيرة و إبراز أسس كشفها، و القوانين الّتي تتحكم فيها، و النكات التي ينبني الاستدلال بها على أساسها، بأسلوب بديع و منهج رفيع و بيان متين.
و من هذا القسم - أيضا - بحثه القيّم عمّا أسماه بنظريّة التعويض، و هو و إن كان أقرب إلى فنّ البحوث الرّجالية منه إلى الأصول، و لكنه قد بحثه بالمناسبة ضمن مباحث حجية خبر الواحد و وضّح فيه كيف أننا نعوّض - أحيانا - المقطع السندي المشتمل على الضعف البارز في سند الحديث بمقطع آخر غير بارز لدى الناظر بالنظرة الأوّليّة، و هذا الأمر و إن وجدت بذوره لدى من تقدّم على الأستاذ - رحمه اللّه - و لكن لم أر أحدا قبله يتعرض لهذه الفكرة على مستوى البحث العلمي و يدقّق في أسس هذا التعويض و أقسامه.
و من القسم الثاني: بحثه البديع في حجية القطع الذي أثبت فيه أن رأس الخيط في البحث إنما هو مولوية المولى و حدودها، و انحدر من هذا المبدإ الى الآثار التي تترتب على ذلك، و انتهى إلى إبطال ما بنى عليه المحقّقون جيلا بعد جيل من قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و آمن بمنجزية الاحتمال، و أن البراءة التي نؤمن بها هي البراءة الشرعية اما البراءة العقلية فلا.
و من هذا القبيل إبطاله لحكومة الأصول بعضها على بعض حينما تكون متوافقة في النتيجة، كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة، أو الأصل السّببي على الأصل المسبّبي الموافق له، و كذلك إبطاله لحكومة الأمارة