مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٧٩
و الجواب: أنّ هذا العنوان ليس داخلا تحت الوجوب كي يتنجّز بتعلّق العلم به، و إضافة الوجوب إليه إضافة تبرعيّة.
الثالث: الخلط الواقع في كلمات الأصحاب بين باب العلم الإجمالي بالتكليف و باب العلم التفصيلي به مع الشكّ في المحصّل، كما وقع في كلام السيّد الأستاذ من جعل العلم بوجوب الصلاة مع الشكّ في جهة القبلة من باب الشكّ في المحصّل مع العلم التفصيلي بالحكم.
و كأنّ منشأ الاشتباه ما رآه من إباء الوجدان و الارتكاز من القول بعدم اقتضاء العلم في هذا المثال للامتثال القطعي - بينما هو يرى عدم اقتضاء العلم الإجمالي للامتثال القطعي - فأدخل هذا المثال في باب الشكّ في المحصّل مع العلم التفصيلي بأصل الحكم.
و الواقع: إنّ الشكّ تارة يكون في عنوان المكلّف به كما في مثال العلم بوجوب الظهر أو الجمعة، و أخرى في مصداق المكلّف به كما في مثال تردد جهة القبلة، أو مثال وجوب إكرام العالم مع تردّد العالم بين زيد و عمرو. و ثالثة في مقدّمة حصول المكلّف به، كما لو علم بوجوب قتل الكافر و شكّ في حصول القتل بالرصاص الأوّل.
فالثّالث هو الش كّ في المحصّل و الأوّل و الثّاني كلاهما من العلم الإجماليّ بالتكليف إلاّ أنّ الأوّل ضابط للعلم الإجمالي الذي لا يقتضي الامتثال القطعي، و الثاني ضابط للعلم الإجمالي الذي يقتضي الامتثال القطعي كما شرحناه. و بهذا يتحفظ على إباء الوجدان و الارتكاز عن عدم اقتضاء العلم في هذا المثال للامتثال القطعي. [١]
[١] ما جاء في كتاب مصباح الأصول للسيّد محمد سرور تقريرا لبحث السيّد الخوئي الجزء الثاني صفحة (٣٥١) صريح في اقتضاء العلم الإجمالي بالتكليف مطلقا لوجوب الموافقة القطعيّة، حيث ذكر عدم شمول البراءة العقليّة لشيء من الأطراف بنكتة تماميّة البيان. فلعلّ ما نقله أستاذنا الشهيد (رحمه اللّه) هنا عن السيّد الخوئي من عدم اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة راجع إلى تاريخ مسبق. هذا و القول بعدم اقتضاء العلم الإجمالي بالتكليف لوجوب الموافقة القطعيّة منقول في أجود التقريرات (ج ٢ ص ٢٤٥) عن المحقّق النائيني، فيرى (رحمه اللّه) أنّ التنجيز للموافقة القطعيّة إنّما هو بنكتة تساقط الأصول، و لا علّيّة أو اقتضاء للعلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة إلاّ بمعنى دخله في تساقط الأصول. و لكن المنقول عنه في تقرير الكاظمي (ج ٤ ص ٩) هو اقتضاؤه لوجوب الموافقة القطعيّة. فيحمل هذا الاختلاق على اختلاف الزمان باعتبار ما قاله أستاذنا الشهيد من كون تقرير الكاظمي تقريرا لدورة سابقة، و سيأتي ذلك في بحث البراءة و الاشتغال إنشاء اللّه تعالى.