مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٦٩
كانت روايات حجية العقل لا تدل على تشريع ذلك فلا محالة لا تدل على حجية العقل الظني. و بتعبير آخر: ان هذه الروايات لم تدل الأعلى إمضاء العقل، و لا معنى لإمضائه إلاّ الاعتراف بمنجزية ما يراه منجزا و معذرية ما يراه معذرا، و المفروض انه لا يرى الظن في ذاته منجزا أو معذرا. فإذا كانت روايات حجية العقل بهذا البيان مختصة بالأحكام القطعية للعقل، فهي أخص من روايات الردع عن الرأي، فتقدم عليها بالأخصية.
و يرد عليه: ما سيظهر لك من كون النسبة بينهما عموما من وجه لا مطلقا.
الثالث: ان يقال إنهما متعارضان بالعموم من وجه و متساقطان في مادة التعارض، و هذا هو الحق في مقام العلاج [١]. و ذلك لأنه كما ان أخبار حجية العقل أخص من أخبار الردع عن الرأي لعدم شمولها للحكم العقلي الظني، كذلك أخبار الردع عن الرأي أخص من ناحية أخرى من أخبار حجية العقل، لأنها لا تشمل الاحكام البديهية للعقل، و لا القريبة من المواد البديهية التي لا تحتاج الى مزيد ترو و تأمل، و ذلك لعدم صدق عنوان الرأي الموجود في الأخبار عليها قطعا، لأنه ظاهر فيما يحتاج الى مزيد تروّ و تفكّر [٢].
و قد ظهر بما ذكرناه: أن النسبة بين الطائفتين عموم من وجه، سواء سلّمنا أن الأخبار الرادعة عن الرأي لا تشمل الاحكام العقلية التي
[١] يعني بعد ما سلّم افتراضا من التعارض و شمول الرأي للرأي القطعي.
[٢] كأنّ هذا الكلام مأخوذ من اشتقاق الرأي من مادة التروّي، و لا يبعد انصراف مثل قوله «دين اللَّه لا يصاب بالعقول» أيضا الى ما يحتاج الى تعقّل و تروّ، على ان ذلك ليس ردعا عن سلوك طريق العقل، و إنما هو ردع عمّا يصيبه العقل. و قد عرفت عدم إمكانية الردع عن القطع العقلي، فلا بدّ من حمله على مثل القياس و الاستحسان.