مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٤٧
من الرئاسة. فالاختلاف بينهم و بين سائر المجتمعات في تشخيص ما هو الأهم من هذين الأمرين. اما عدم درك أصل الحسن و القبح، فلا يوجد لدى إنسان إلاّ ذاك الأبله الذي لا يدرك بديهيات العقل النظري أيضا.
و الحاصل ان التشكيك الأخباري هنا بلحاظ كثرة الخطأ في العقل العمليّ - لما نراه من الاختلافات الكثيرة - و كذا البرهان الثالث من براهين عدم حقانية العقل العملي و هو عدم ذاتية الحسن و القبح - لاختلافهما باختلاف الوجوه و الاعتبارات - ناشئان عن الغفلة عن مسألة التزاحم في باب العقل العمليّ، و تخيّل ان العقل العمليّ يدرك حسن عدة أمور و قبح عدة أمور أخرى مباينة للأولى.
فيترائى - حينئذ - الاختلاف بين العقلاء [١]، كما يترائى أيضا الاختلاف في ذلك باختلاف الوجوه و الاعتبارات. و بالالتفات الى هذه النكتة يرتفع كلا الاشتباهين و كأن الغفلة نشأت من تخيّل ان الحسن و القبح المدركين للعقل العمليّ عبارة عن صحّة المدح و الذم على الحسن و القبح المدركين للعقل العمليّ عبارة عن صحّة المدح و الذم على الحسن و القبيح، و عدم الالتفات الى ان الحسن و القبح المدركين للعقل العمليّ ثابتان في الرتبة السابقة على المدح و الذم. حيث انه على هذا لا يبقى مجال لتصور اجتماع حسن و قبح على شيء واحد بعنوانين، و ترجيح أحدهما على الآخر. إذ حسن الشيء ليس إلا عبارة عن صحة
[١] و لا يخفى ان الاختلاف بين العقلاء ينشأ كثيرا في الأخلاقيات التي لا واقعية لها، و تكون وليدة للقانون و البيئة و العادات و ما شابه ذلك. كما في كشف العورة و حجاب المرأة و غير ذلك - مما لا حسن و قبح واقعي فيه ما لم يفرض أمر من قبل المولى الحقيقي، فيرجع الى حسن الامتثال و قبح المعصية - و ينبغي الفصل بين الأخلاقيات التي لها واقع مستقل و الأخلاقيات التي لا واقع لها عدا القوانين و العادات، و الخلط بينهما قد يؤدي الى التشكيك الأخباري الذي عرفت باعتبار مشاهدة الاختلافات بين العقلاء.