مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٤٥
و المظلوم بالاعتبار - و نحن نتكلم فيما يجب ان يكون مفروضا في الرتبة السابقة على الظلم و هو الحق، فنقول:
ان هذا الحق تارة يفترض انه ليس مدركا بالعقل، و انما هو حق قانوني و اعتباري بحت، و أخرى يفترض كونه مدركا بالعقل. فإن فرض الأول: فمن الواضح ان العقل العمليّ لا يدرك قبح مخالفته، لعدم اعترافه به، و انما الحاكم بقبحها هو القانون و المجتمع أو الفرد الذي اعتبر هذا الاعتبار. و لذا ترى ان ما يقبح في مجتمع رأس مالي من تصرفات في أموال لا يقبح في مجتمع شيوعي مثلا، باعتبار ان ملكية الفرد و سلطنته أمر اعتباري اعتبره المجتمع الأول و لم يعتبره المجتمع الثاني. و ان فرض الثاني - أي ان العقل العمليّ أدرك الحق - فهذا بنفسه هو الإدراك للقبح. فمعنى قولنا مثلا: «ان من حق اليتيم ان لا يضرب» هو أنه يقبح ضرب اليتيم. فقولنا: «الظلم قبيح» يرجع بالأخرة إلى قولنا: «القبيح قبيح» و هذه قضية بشرط المحمول.
و بتعبير آخر: ان قولنا: الظلم قبيح لا يصلح إلاّ ان يكون منبها و مشيرا الى عدة قضايا مفروضة في الرتبة السابقة، فقد جعل الظلم اسما لكل ما فرض في المرتبة السابقة قبحه، و هذا هو السر في عدم الخلاف في قبح الظلم.
و الحاصل: ان إدخال قولنا: «الظلم قبيح و العدل حسن» في البراهين و الأبحاث الفنّيّة ليس إلاّ عبارة عن لعب الألفاظ بالأمور العقليّة و المطالب الفنّيّة، نظير لعب كلمة «بيان» في قولهم: «يقبح العقاب بلا بيان» بها، حيث انه جاء صدفة التعبير بكلمة «البيان» في
نفسه ما حرّمه عليه المولى كقتل نفسه، إذ هو مملوك للمولى لا لنفسه، و هذا راجع الى ظلم المولى. و لا نتعقل أي تغاير اعتباري في الرتبة السابقة على الظلم بين الشخص و نفسه بنحو يوجب تعقل ظلم الشخص نفسه.