مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٤٢
التي يتدخل فيها الأمور الخارجة عن النفس. و معرفة الضرورة الخلقيّة هي من المعارف النابعة من حاق النفس، بدليل اتفاق العقلاء عليها.
إذ أن اتفاقهم عليها شاهد على كون المنشأ لهذه المعرفة أمرا مشتركا بين الجميع، إذ لو كان المنشأ لها أمرا غير مشترك بين الجميع لما حصل اتفاق الجميع عليها، و ليس هناك شيء مشترك بين الج ميع عدا النفس البشرية، فتثبت ان هذه المعرفة نابعة من النفس و فطرية للإنسان.
و يرد عليه: ان من عاشرناهم و رأيناهم من الناس لم يكن الأمر المشترك بينهم منحصرا في النفس البشرية، بل هم مشتركون أيضا في تعايشهم في مجتمع إنساني، و مشاهدتهم لقوانين مقننة في المجتمع، و تربيتهم في حجر الأب و الأم أو المعلّم و نحو ذلك [١].
فمن احتمل كون هذه المعرفة مستوحاة من تلك القوانين و المجتمعات و التربية و التعليمات لم يمكن إثبات عدمه له بهذا الوجه، و من لا يحتمل ذلك لا يحتاج الى هذا الوجه.
الوجه الثاني: ما ذكره بعض من انه لو خلق إنسان منفردا، و عاش منفردا، و لم يشاهد أيّ مجتمع أو تعليم و تربية و نحو ذلك، ثم حمل على الأخبار بشيء ما، و لم توجد له أي فائدة صدفة في الكذب، فهذا الإنسان سيصدق في إخباره، و هذا شاهد على انه يدرك حسن الصدق و قبح الكذب.
[١] و المجتمعات و التعاليم المختلفة مشتركة في كثير من المناشئ، كالمصالح و الغرائز، فمن لا يدرك بوجدانه حقانية الحسن و القبح يحتمل ان المقدار المشترك بين الناس من الحسن و القبح المعترف بهما عند جميع المجتمعات، ناشئ من التعاليم الاجتماعية المستوحاة من تلك المصالح و الغرائز. و طبعا ان تعاليم من هذا القبيل لا يشترط فيها التطابق الكامل و الشامل لتمام الموارد مع المصالح و الغرائز، حتى ينقض ببعض الموارد التي نرى الحسن و القبح المعترف بهما اجتماعيا يتخلفان عن المصالح و الغرائز.