مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٤٠
البرهان الثالث - ما ذكره بعض الكلاميين، و هو مبتن على مقدمة فرضت مفروغا عنها، و هي: أنّ ما يعرض على الشيء حقيقة و واقعا - لا جعلا و اعتبارا - يجب أن يكون ذاتيّا لكل ما يعرض عليها أو لبعضها، إذ كل ما بالعرض يجب أن ينتهي إلى ما بالذات.
و نحن لا نتكلم هنا عن مدى صحّة هذه المقدّمة و عدمها، لاستلزامه الخروج عمّا يقتضيه المقام، و نبحث الأمر بناء على صحّة هذه المقدّمة فنقول:
إنّ البرهان الذي ذكر في المقام على عدم واقعيّة الحسن و القبح، هو أنّهما لو كانا واقعيّين لكانا ذاتيّين، مع أنّهما ليسا ذاتيّين، لما نرى من اختلافهما بالوجوه و الاعتبارات. و أجيب على ذلك بأنّ الحسن ذاتيّ للعدل، و القبح ذاتيّ للظلم، و لا يختلف العدل و الظلم في الحسن و القبح باختلاف الوجوه و الاعتبارات. و أمّا ما نراه من كون الصدق مثلا تارة حسنا و أخرى قبيحا، أو ضرب اليتيم كذلك، و ما إلى ذلك من الأمور، فهذا ينشأ من اختلاف الحالات في الدخول تحت هذه الكبرى أو تلك.
فمتى ما كان الصدق أو ضرب اليتيم أو غير ذلك عدلا كان حسنا، و متى ما كان ظلما كان قبيحا. فصحّ هنا أيضا أنّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات.
و يرد عليه: ما سيأتي إنشاء اللّه في الأمر الثّالث، من أن قولنا:
العدل حسن و الظلم قبيح، ليس إلاّ قضيّة بشرط المحمول.
و الصحيح في الجواب، أوّلا: ما سيأتي إنشاء اللّه في الأمر الثّالث من أنّ الحسن و القبح لا يختلفان باختلاف الوجوه و الاعتبارات. فالصدق
المقتضي للحسن و القبح، بل لمتعلّق السلطنة دخل اقتضائيّ في ذلك. فيلزم انتزاع الشيء من أمور متباينة بما هي متباينة. فالجواب الصحيح هو الجواب الأوّل في المقام.