مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢٨
يد المشلول و تحريك اليد اختيارا سيّان في هذا الأمر. و من هنا وقعوا في إشكال في تصوير معنى الاختيار في الأفعال الاختياريّة. و حاصل ما يتلخّص من كلماتهم في تصوير ذلك أمران:
الأوّل: إنّه تفترق الأفعال الاختياريّة عن غيرها من ناحية الإمكان و قابليّة القابل. فانفتاح باب الإمكان على وجه الشيء الموجود يكون بمقدار رفعته و خسّته في سلّم الوجود، فالجماد مثلا الذي هو أخسّ الموجودات ليست له إمكانيّة قبول العوارض و الطوارئ إلاّ في مجال ضيّق، و لذا ترى أنّ العالم الطبيعيّ بإمكانه أن يتنبأ كيفيّة تحرّك الحجر مثلا المرميّ إلى فوق، في سير نزوله و محلّ سقوطه. و أمّا النبات الذي يتنعّم بنعمة الحياة بمقدار ما، فهو أرقى في سلّم الوجود. فقابليّته و إمكاناته تكون في دائرة أوسع، فهناك مجال للتشكيك فيما سوف يصنعه النبات. و لذا ترى بعض النباتات إذا اقترب في نموّه من جدار يمنع عن نموّه لو التصق به، يغيّر من شكل حركته و يتحرك في نموّه من جهة أخرى، فهو أوسع إمكانا من الجماد. و أمّا الحيوان فهو أرقى من النبات في سلّم الوجود، فتتّسع دائرة إمكاناته و حريّته في مجال أوسع.
فإذا ضرب حيوان مثلا، و صمّم على الفرار، و كانت لفراره عدّة طرق متساوية، لا يمكن للعالم الطبيعيّ أن يتنبّأ ما سوف يختاره هذا الحيوان من طريق الفرار.
و أمّا الإنسان، فهو أرقى مرتبة من الحيوان في سلّم الوجود، و يعيش في دائرة أوسع من الإمكانيّات و الحرّيّات. فبينما ترى الحيوان أسير غرائزه و ميوله النفسانيّة لا يتخلّف عنها قدر المستطاع، ترى الإنسان له عقل باستطاعته أن يحكمه على الغرائز و الميول النفسانيّة، فيغيّر مجرى عمله من مسير الغرائز و تلك الميول، أو أن لا يحكمه.
و الخلاصة: انه كلما كان الموجود في درجة أرقى من سلّم الوجود،