مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢٠
و المدرك بالعرض، توضيح ذلك:
أنّنا حقّقنا في بحث اجتماع الأمر و النهي أنّ الحالات النفسيّة، من قبيل الإدراك و الحبّ و البغض و غير ذلك، لا تنصبّ ابتداء على ما في الخارج، و إنّما يكون المدرك بالذّات أو المحبوب و المبغوض بالذّات و نحو ذلك هي الصورة الموجودة في صقع الإدراك أو الحبّ و البغض، و هي عين الإدراك أو الحبّ و البغض أو غير ذلك من الصّفات النفسيّة. أمّا ما في الخارج فهو مدرك بالعرض، أو محبوب أو مبغوض بالعرض.
و بعد هذا نقول: إنّ تنافر أيّ قوّة من القوى من إدراك شيء أو انبساطها منه، عبارة عن المنافرة أو الملائمة بينها و بين المدرك بالذات، لا المدرك بالعرض.
فإنّ المدرك بالعرض ليس هو الحاضر لدى القوّة كي يؤثّر في انبساطها و انقباضها. مثلا: القوة الباصرة تلتذ بإدراكها للحدائق و الأزهار و لو فرض إدراكها غير مطابق للواقع الخارجي، و تشمئز من إدراكها للصور القبيحة و لو فرض غير مطابق للواقع. و حينئذ نسأل بالنسبة للقوّة العاقلة: هل المقصود انبساطها و انقباضها بالمدرك بالعرض باعتبار مسانخته أو عدم مسانخته لها، أو المقصود انبساطها و انقباضها بالمدرك بالذّات باعتبار مسانخته أو عدم مسانخته لها؟ فإن فرض الأوّل قلنا: إنّ المدرك بالعرض ليس هو الحاضر لدى القوّة العاقلة كي يؤثّر بالمسانخة و عدم المسانخة ذاك التأثير. و إن فرض الثّاني قلنا: إنّ المدرك بالذّات دائما على حدّ سواء من حيث التجرّد و سعة الوجود، بلا فرق بين أن يكون المدرك بالعرض وسيعا أو ضيّقا. فإنّ من أوّليّات علم النفس في الفلسفة أنّ إدراكات قوّة واحدة تناسب تلك القوّة في التجرّد و سعة الوجود على نهج واحد، فليس مثلا إدراك الأمر المادّي مادّيّا، و المجرّد مجرّدا، بل إدراك ما هو من أرقى الموجودات يساوي من