مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥١٣
نسبة الحسن و القبح الذاتيّين إلى الحسن و القبح الشرعيّين، كنسبة السلطنة الواقعيّة إلى السلطنة الشرعيّة المختلفتين جوهريا. فالثانية عبارة عن عنوان السلطنة المجعول بتشريع الشارع و إنشائه - و هو الملكيّة مثلا - بينما الأولى عبارة عن نفس المعنون و واقع السلطنة الثابت في الخارج.
و كذلك الحال فيما نحن فيه، فالحسن و القبح الذاتيان عبارة عن واقع الحسن و القبح و نفس المعنون، بينما الحسن و القبح الشرعيّان عبارة عن عنوان الحسن و القبح الثابت بالجعل و الاعتبار، و لا يؤثر الجعل و الاعتبار إلاّ في إيجاد العنوان دون المعنون. و إن شئت فسمّ الأوّل بالحسن و القبح بالحمل الشائع، و الثّاني بالحسن و القبح بالحمل الأوّليّ.
و بعد أن اتضحت لك هذه النّكتة، قلنا: إنّ فرض النزاع في إدراك الحسن و القبح الذاتيّين يتصوّر بأحد وجوه:
الأوّل: أن تقول العدليّة مثلا: إنّا ندرك الحسن و القبح الذاتيّين، و يكذّبهم الأشعريّ و يقول لهم: إنّكم لا تدركون ذلك.
و هذا ليس بحثا علميّا، فإنّ البحث العلمي قائم على أساس التخطئة لا التكذيب. و الواقع هو ثبوت هذا الإدراك في أكثر أفراد البشر.
الثاني: أن يقول هذا: إني أدرك الحسن و القبح. و يقول ذاك: إني لا أدركهما. و هذا راجع في الحقيقة إلى البحث الثّالث. إذ معنى ذلك أنّ الأشعريّ يقول للعدليّة. إنّ حقانيّة ما عندكم من الإدراك غير ثابت عندي، أو هي ثابتة العدم.
الثالث: أن يقول أحدهما للآخر: إني أدرك ما تدركه، إلاّ أنّ الخلاف فيما بيننا هو أنّ هذا الأمر المدرك هل هو مضاف إلى ذات الشيء أو إلى الشارع؟ و تشعر بذلك كلمات الأشعريّين في كيفيّة تحرير البحث. حيث أنّهم يقسّمون أولا الأفعال إلى الحسن و القبيح، و يذكرون أقسام الحسن و أقسام القبيح، ثمّ يبحثون أنّ هذا الحسن